جاء المؤتمر الصحفي للهيئة الشعبية لنصرة كردفان في لحظة فارقة من تاريخ الإقليم بل من تاريخ السودان كله فالأحداث التي شهدتها الأيام الماضية لم تكن مجرّد تطورات عسكرية عابرة بل كانت جروحاً عميقة مست كرامة الأرض ووجدان الإنسان معاً سقوط بابنوسة القميرة ثم هجليج واستمرار حصار الدلنج وكادقلي وصولاً إلى الهجوم الدموي على كالوقي حاضرة محلية قدير التاريخية ذلك الاعتداء الذي خلف أكثر من ١٧٧ شهيداً بينهم ٨٣ طفلاً وما يقارب ١٠٠ جريح معظمهم نساء وأطفال كان كفيلاً بأن يفتح باب الحقيقة على مصراعيه كردفان ودارفور اليوم ليستا مجرد ساحات حرب بل ساحتا اختبار لضمير الأمة كلها لم يكن غريباً أن يأتي بيان الهيئة الشعبية حاراً مملوءاً بالألم ومشحوناً بإحساس عميق بالمسؤولية الوطنية فالإقليم يعيش واحداً من أخطر منعطفاته والناس تبحث عن صوت صادق يعبر عنها عن رؤية واضحة تخرجها من دائرة القلق إلى مسار الفعل
أولاً تحريك محاور العمليات… أمن الناس ليس ترفاً طالبت الهيئة قيادة الدولة باتخاذ خطوات فعلية لفك الحصار عن المدن المحاصرة وتحرير المناطق المنكوبة لأن أمن المواطنين حقٌ أصيل لا يجوز التهاون فيه. فالدولة أي دولة تفقد معناها إذا عجزت عن حماية أهلها وتأمين مدنها وطرقها ومؤسساتها لكن هذه الخطوة لا ينبغي أن تُقرأ فقط كإجراء عسكري بل يجب أن تكون جزءاً من رؤية شاملة تعالج جذور الأزمة وتمنع تكرار المأساة وتعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات حكمه.
ثانياً تكوين درع كردفان للمقاومة الشعبية… بين حماية الأرض ووحدة الصف طرحت الهيئة فكرة تكوين درع كردفان كآلية للمقاومة الشعبية ضمن خطة الاستنفار العام والمغزى هنا ليس عسكرة المجتمع ولا تشكيل كيانات منفلتة بل تعزيز المشاركة المجتمعية المنظمة في حماية القرى وتأمين المسارات والتبليغ المبكر عن التحركات المشبوهة وفق إطار قانوني واضح يخضع للدولة ويحمي المدنيين إن كردفان بتاريخها وشموخ أهلها قادرة على أن تكون نموذجاً في الوطنية الواعية التي ترفض الفوضى بقدر ما ترفض الاعتداء والظلم
ثالثاً خطاب وطني صريح للشعب… الحقائق لا تُدار بالهمس
طالب البيان القيادة السياسية بأن تخاطب الشعب بخطة واضحة وصريحة لإدارة الحرب وللتعامل مع المجتمع الدولي وهذا مطلب بالغ الأهمية فالشعب الذي يعيش أوجاع النزوح وانقطاع الخدمات وتهديد المليشيات يحتاج إلى وضوح كامل لا شعارات ولا حديثاً عاماً بل معلومات وخططاً وآفاقاً.
حين تتكلم الدولة بصدق تصبح الناس جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة
رابعاً: دور الدبلوماسية الشعبية… صوت كردفان يجب أن يسمعه العالم
لا يمكن لإقليم يواجه المآسي الإنسانية التي تواجهها كردفان اليوم أن يظل صامتاً ولهذا جاءت دعوة الهيئة إلى تفعيل الدبلوماسية الشعبية للتواصل مع المجتمع الدولي والهيئات الإقليمية والعالمية ولتقديم الرواية الحقيقية لما يجري على الأرض
وهنا تبرز أهمية توثيق الانتهاكات إيصال صوت الضحايا وفتح أبواب التعاون الإنساني بعيداً عن التسييس أو الاستغلال
خامساً دعوة للمنظمات الإنسانية… الإنسانية لا تعرف الحياد بين الضحية والرصاصة
مطالبة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والوطنية بالقيام بدورها ليست ترفاً سياسياً بل ضرورة ملحة فالأطفال الذين استُشهدوا والأمهات اللواتي ينتظرن الدواء والقرى التي هُجّر أهلها كلهم يحتاجون إلى عمل إنساني عاجل يحميهم من الموت البطيء
سادساً: ما الذي تعنيه كردفان للسودان؟
كردفان ليست مجرد إقليم إنها قلب السودان بوابته الغربية، نقطة اتصاله بين الشمال والجنوب بين الوسط والغرب وإذا جُرحت كردفان فإن السودان كله ينزف ولذلك فإن الدفاع عن كردفان هو دفاع عن الوطن والحفاظ على دارفور هو حفاظ على وحدة السودان والسعي للسلام الحقيقي هو الطريق الوحيد لإنهاء هذه الدوامة المؤلمة.
سابعاً: نحو رؤية وطنية جامعة تعلو فوق الجراح
علينا اليوم أن نتجاوز الانقسامات الضيقة وأن ندرك أن ما يجري ليس صراع مناطق ولا قبائل ولا مصالح صغيرة بل هو معركة وجودية بين من يريد دولة عادلة آمنة وبين من يريد العبث بمصير الأمة
إن الحل يكمن في
وحدة الجبهة الداخلية
ووقف خطاب الكراهية
دعم الجيش والخدمات والمؤسسات المدنية
تعزيز دور الإدارة الأهلية والقيادات المجتمعية
واستنفار أبناء السودان كافة ليس أبناء كردفان وحدهم أن الوطن واحد والمصير واحد.
ستتعافى كردفان، كما تعافى السودان مراراً. سيعود أهلها إلى قراهم، ستعود المدارس والحياة وستُرفع راية الأمن فوق المدن التي أنهكها الحصار لكن ذلك لن يحدث ما لم تتوحد الكلمة وتلتئم الصفوف ويعلُ صوت الواجب فوق كل صوت
إنها ساعة وعي وساعة مسؤولية وساعة موقف
ونحن أبناء السودان مطالبون أن نقف مع كردفان ودارفور لا بالكلمات فقط بل بالفعل وبالإحساس بأنَّ كل قطرة دم سقطت هناك إنما سقطت من قلب الوطن كله كردفان تستنجد بوطنها… فهل يلبّي الوطن النداء؟