سلسلة مقالات في السيادة والسلام والقرار الوطني (3) كيف نصنع السلام الذي نريده نحن… لا السلام الذي يريده الآخرون لنا؟
بقلم: د. الطاهر موسى الحسن
في مقالي السابق الهندسة الخفية… كيف تُستهدف الدول من داخل ملفات السلام ! حاولت أن أتوقف عند قضية أراها من أكثر القضايا حساسية في المشهد السوداني الراهن، وهي الكيفية التي أصبحت تُدار بها النزاعات الحديثة، والدور المتعاظم الذي باتت تلعبه المؤسسات الدولية وشبكات الوساطة ومراكز التأثير السياسي في رسم ملامح المراحل التي تعقب الحروب.
ولم يكن المقصود من ذلك الطرح رفض السلام أو التشكيك في كل جهد دولي، بقدر ما كان محاولة لطرح سؤال مشروع حول حدود التأثير الخارجي في القضايا التي تمس مستقبل الدول وسيادتها وحق شعوبها في تقرير مصيرها.
وقد خلص المقال إلى سؤال جوهري : كيف نصنع نحن السلام الذي نريده؟ وكيف نضمن أن يكون السلام القادم تعبيراً عن الإرادة الوطنية لا انعكاساً لمصالح الآخرين؟
وأعتقد أن هذه هي القضية التي تستحق أن تشغل السودانيين اليوم أكثر من أي قضية أخرى.
فالسودان لا يواجه فقط تحدي إنهاء الحرب، بل يواجه تحدي بناء السلام.
والفرق بين الأمرين كبير.
فإيقاف الحرب قد يتحقق بتوقيع اتفاق أو إعلان هدنة أو الوصول إلى تسوية سياسية، لكن بناء السلام الحقيقي عملية أكثر تعقيداً وأعمق أثراً، لأنها تتعلق بشكل الدولة التي ستخرج من هذه الحرب، وطبيعة المؤسسات التي ستديرها، والقيم التي ستقوم عليها، والعلاقة بين مكوناتها المختلفة.
ولهذا فإن السؤال ليس كيف نوقف الحرب فقط.
السؤال هو: أي سلام نريد؟
لقد علمتنا تجارب السودان منذ الاستقلال، كما علمتنا تجارب دول كثيرة حول العالم، أن الاتفاقيات ليست دائماً مرادفاً للسلام. فكم من اتفاق وُقّع وسط الاحتفالات والتصفيق ثم عاد أصحابه بعد سنوات قليلة إلى مربع الصراع من جديد.
السبب في ذلك أن كثيراً من الاتفاقيات ركزت على اقتسام السلطة أكثر من تركيزها على معالجة أسباب الأزمة.
وركزت على إرضاء القوى المتفاوضة أكثر من اهتمامها بإشراك المجتمع.
وركزت على إنهاء المعركة الراهنة أكثر من اهتمامها بمنع المعارك القادمة.
ولهذا فإن أول خطوة نحو السلام الذي نريده نحن هي أن نتفق على أن السلام ليس وثيقة سياسية، بل مشروع وطني.
مشروع يبدأ من الإجابة على سؤال الدولة قبل الإجابة على سؤال السلطة.
أي دولة نريد أن نتركها لأبنائنا بعد انتهاء هذه الحرب؟
هل نريد دولة قوية قادرة على حماية حدودها وسيادتها ومؤسساتها الوطنية؟
أم نريد دولة تظل رهينة للتوازنات الهشة والتجاذبات الخارجية؟
هل نريد جيشاً وطنياً واحداً يحتكر السلاح ويحمي الدستور؟
أم نريد أن نظل ندور في الحلقة نفسها التي دفعت البلاد أثمانها الباهظة لعقود طويلة؟
هذه ليست أسئلة نظرية.
هذه هي الأسئلة التي سيحدد جوابها شكل السودان لعشرات السنين القادمة.
ومن وجهة نظري، فإن السلام الذي يستحقه السودانيون يجب أن يقوم على خمسة مرتكزات أساسية.
أولها حماية الدولة الوطنية.
فأي تسوية تضعف مؤسسات الدولة أو تنتقص من سيادتها أو تفتح الباب أمام إعادة إنتاج المليشيات المسلحة بصور جديدة لن تكون مدخلاً للسلام، بل وصفة لأزمة جديدة.
وثانيها أن يبقى القرار السوداني هو المرجعية النهائية لأي عملية سياسية.
فالدعم الدولي والإقليمي يمكن أن يساعد، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وصاية سياسية أو إلى حق في رسم مستقبل البلاد نيابة عن شعبها.
أما المرتكز الثالث فهو العدالة.
فالسلام الذي يتجاوز حقوق الضحايا أو يتجاهل المظالم أو يطلب من الناس أن ينسوا دون إنصاف ومحاسبة، إنما يؤجل الصراع ولا ينهيه.
والمرتكز الرابع هو التنمية.
لأن المجتمعات التي تعيش الفقر والتهميش وانسداد الأفق تظل أكثر عرضة للاضطرابات والصراعات مهما كانت قوة الاتفاقيات السياسية التي تُوقع باسمها.
أما المرتكز الخامس فهو الوعي.
وربما يكون هذا هو المرتكز الأهم في هذه المرحلة.
ففي عالم اليوم لم تعد الدول تُستهدف فقط عبر الجيوش والأسلحة، بل عبر الإعلام، وصناعة السرديات، وشبكات النفوذ، والتأثير السياسي والاقتصادي والثقافي.
ولهذا فإن الوعي الوطني لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن القومي للدول.
وأنا هنا لا أدعو إلى الانغلاق أو معاداة العالم أو رفض المبادرات الخارجية لمجرد أنها خارجية.
لكنني أدعو إلى شيء أكثر بساطة وأكثر أهمية:
أن نتعامل مع كل ما يُطرح بشأن السودان بعين وطنية مفتوحة.
أن نسأل دائماً: هل يخدم هذا الطرح مصالح السودان أم مصالح غيره؟
هل يعزز استقلال القرار الوطني أم يضعفه؟
هل يبني الدولة أم يعيد تشكيلها وفق رؤى لا تعبر عن أولويات شعبها؟
هذه الأسئلة ليست دعوة للشك. إنها دعوة للفهم.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ننشغل جميعاً بتفاصيل الحرب اليومية بينما تُرسم ملامح السودان القادم في أماكن أخرى وبأقلام أخرى وبأولويات قد لا تكون هي أولويات السودانيين.
إن السلام الذي نريده نحن يجب أن يُصنع هنا. داخل السودان. بعقول السودانيين.
وبإرادة السودانيين.
وبما يحفظ الدولة والسيادة ووحدة البلاد وحق الأجيال القادمة في وطن مستقل القرار. ولهذا فإنني لا أطرح هنا وصفة جاهزة للسلام، بقدر ما أطرح قضية للنقاش.
قضية أرى أنها تستحق أن تصبح محور حوار واسع بين المثقفين والأكاديميين والباحثين والإعلاميين وكل المهتمين بمستقبل هذا الوطن. لأن السلام الذي لا يشارك السودانيون في تعريفه وصياغته لن يكون سلامهم، مهما كانت الأسماء التي تُطلق عليه.
وهذا هو الحوار الذي أرجو أن يبدأ.