سلسلة مقالات في السيادة والسلام والقرار الوطني (2) بقلم: د. الطاهر موسى الحسن
في المقال السابق ما وراء ضجة مسقط وكيغالي والبحرين لم يكن الاهتمام منصباً على صحة الأخبار التي تحدثت عن لقاءات أو مفاوضات سرية من عدمها، فهذه مسألة تناولها النفي الرسمي بصورة واضحة. لكن ما استوقفني وقتها لم يكن الخبر نفسه، بل حجم الاهتمام الذي حظي به، وحالة القلق التي صاحبت تداوله داخل الشارع السوداني.
لماذا أصبح السودانيون يتعاملون بحساسية بالغة مع أي حديث يتعلق بالمفاوضات أو الوساطات أو التسويات السياسية؟ ولماذا يشعر كثيرون أن ما يجري خلف الكواليس لا يقل خطورة عما يجري في ميادين القتال؟
فالحديث هنا ليس عن مسقط أو البحرين أو كيغالي، وليس عن صحة أو عدم صحة ما يتم تداوله في وسائل الإعلام، وإنما عن قضية أكبر تتجاوز أسماء المدن والعواصم إلى طبيعة الصراع نفسه الذي يدور حول السودان في هذه المرحلة.
في عالم السياسة الحديثة لم تعد الدول تُستهدف دائماً عبر الغزو العسكري المباشر أو الاحتلال التقليدي. هذه الأدوات أصبحت مكلفة سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، كما أن العالم لم يعد يتقبلها بالصورة التي كان يتقبلها في الماضي. لذلك تطورت أدوات التأثير، وانتقلت من مرحلة المواجهة الصلبة إلى مرحلة أكثر تعقيداً وهدوءاً يمكن وصفها بما يسمى الهندسة السياسية للدول .
والهندسة الخفية لا تبدأ بالدبابات.
إنها تبدأ بالملفات.
ملف سلام هنا، وورشة حوار هناك، ومبادرة سياسية في مكان آخر، وتقارير خبراء، ومؤتمرات دولية، ومنصات إعلامية، وشبكات تمويل، ثم تبدأ خيوط المشهد في التشكل تدريجياً حتى يجد الناس أنفسهم أمام واقع سياسي جديد لم يشاركوا فعلياً في صياغته.
ولهذا يصبح من المشروع أن نتساءل: ماذا يجري فعلاً داخل ملفات السلام الخاصة بالسودان؟
خلال الفترة الماضية برز اسم منظمة CMI أو مؤسسة إدارة الأزمات والسلام التي أسسها الرئيس الفنلندي السابق مارتي أهتيسآري. ووفقاً لما تعلنه المؤسسة، فإن دورها يتركز في الوساطة وتسوية النزاعات وبناء السلام.
ولا خلاف حول مشروعية هذه الأهداف في ظاهرها.
لكن القراءة الاستراتيجية لا تكتفي بالنظر إلى الشعارات والعناوين المعلنة، بل تنظر أيضاً إلى طبيعة الأدوار والنتائج والمسارات التي تُبنى حولها.
فالمنظمات العاملة في مجال إدارة النزاعات لا تتحرك في فراغ سياسي. بل تعمل داخل بيئة تتقاطع فيها مصالح الدول الكبرى والمنظمات الدولية والقوى الإقليمية ومراكز النفوذ المختلفة. ولهذا يصبح من حق أي شعب أن يتساءل عن حدود تأثير هذه المؤسسات في رسم مستقبل بلاده.
المشكلة ليست في الوساطة ذاتها.
فالسودان مثل غيره من الدول قد يحتاج إلى وساطات وجهود دولية للمساعدة في إنهاء الحرب.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوساطة من وسيلة لتقريب وجهات النظر إلى وسيلة لإعادة تشكيل المشهد السياسي نفسه.
وهنا تظهر فكرة الهندسة الخفية.
والحديث هنا ليس عن مؤامرة هوليودية تُدار في غرفة مظلمة، ولا عن مخططات سرية بالمعنى المتداول في أدبيات المؤامرة. بل يتركز على عملية سياسية متدرجة ومعقدة تُستخدم فيها أدوات ناعمة لإعادة تشكيل البيئة السياسية داخل الدول الخارجة من النزاعات.
تبدأ العملية بتحديد الأطراف المقبولة دولياً. ثم بصناعة سردية سياسية معينة.
ثم بدعم فاعلين محددين.
ثم بإنتاج تصورات بعينها للحل.
ثم تتحول هذه التصورات تدريجياً إلى أمر واقع سياسي يجد الناس أنفسهم أمامه باعتباره الخيار الوحيد الممكن. في هذه اللحظة يتغير السؤال.
فبدلاً من أن يكون السؤال: ماذا يريد السودانيون؟
يصبح السؤال: أي نسخة من السودان يراد إنتاجها بعد الحرب؟
وهنا تكمن جوهر القضية.
لأن السودان اليوم لا يخوض معركة على الأرض فقط، بل يخوض معركة على تعريف الدولة نفسها. من يملك حق رسم ملامح المستقبل؟ ومن يحدد شكل النظام السياسي القادم؟ ومن يقرر طبيعة التوازنات التي ستنشأ بعد انتهاء الحرب؟
هذه هي المعركة التي تدور بعيداً عن الكاميرات.
ولهذا فإن أخطر ما في الحروب الحديثة أنها لا تنتهي دائماً عند خطوط التماس العسكرية، بل تمتد إلى غرف التفاوض ومراكز الدراسات ومنصات التأثير الدولي. وهناك تبدأ معركة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.
لقد شهد العالم تجارب عديدة تحولت فيها بعض التسويات السياسية إلى أزمات جديدة، ليس لأنها افتقرت إلى حسن النوايا، وإنما لأنها صيغت بعيداً عن المجتمعات التي يفترض أن تعيش نتائجها.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس رفض الحوار، ولا رفض السلام، ولا رفض أي جهد دولي يمكن أن يساعد السودان على الخروج من أزمته.
المطلوب هو اليقظة.
فالدول لا تُحمى بالسلاح وحده، بل تُحمى أيضاً بالوعي.
والوعي الوطني لا يعني الانغلاق على العالم، وإنما يعني فهم طبيعة المصالح التي تتحرك حولنا، والقدرة على التمييز بين المساعدة المشروعة وبين التأثير الذي يتجاوز حدود المساعدة إلى محاولة إعادة تشكيل القرار الوطني.
السودان ليس أول دولة تواجه هذا النوع من التحديات، لكنه بالتأكيد أمام لحظة مفصلية ستحدد شكل مستقبله لعقود قادمة.
وإذا كان ما سبق يقودنا إلى ضرورة اليقظة تجاه ما يدور داخل ملفات السلام والوساطات الدولية، فإن السؤال الأكثر أهمية يبقى مطروحاً: إذا كنا نتحفظ على أن يُصاغ مستقبل السودان في الخارج، فكيف نصنع نحن السلام الذي نريده؟ وما هي الأسس الوطنية التي يمكن أن يقوم عليها سلام سوداني خالص يحفظ الدولة والسيادة ويعبر عن إرادة السودانيين؟
ذلك هو السؤال الذي سأحاول الاقتراب منه في المقال القادم تحت عنوان:
كيف نصنع السلام الذي نريده نحن… لا السلام الذي يريده الآخرون