المعلم أولاً… وخطوة تستحق الإشادة من والي كسلا بقلم: فخري فركاوي
في الوقت الذي تواجه فيه العملية التعليمية في السودان تحديات كبيرة فرضتها الظروف الاقتصادية وتعقيدات المرحلة الراهنة، يبرز الاهتمام بقضايا المعلمين باعتباره المدخل الحقيقي لإنقاذ التعليم والحفاظ على مستقبل الأجيال.
ولعل ما شهدته ولاية كسلا خلال الأيام الماضية من تفاهمات إيجابية بين حكومة الولاية وقيادات المعلمين والعاملين بقطاع التعليم يمثل خطوة مهمة تستحق الإشادة والتقدير، خاصة بعد الاجتماعات المكثفة التي قادها والي ولاية كسلا المكلف اللواء الركن معاش الصادق محمد الأزرق مع وزارة المالية والقوى العاملة والهيئة النقابية لعمال التعليم والاتحاد المهني للمعلمين.
صحيح أن ما تم التوصل إليه لم يلبِّ كل الطموحات، كما أكد قادة المعلمين أنفسهم، لكنه يمثل بداية جادة على طريق معالجة تراكمات استمرت لسنوات طويلة، ويعكس وجود إرادة سياسية حقيقية للتعامل مع قضايا هذه الشريحة التي تحمل على عاتقها مسؤولية بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
إن الاهتمام بالمعلم ليس ترفاً إدارياً ولا استجابة لمطالب فئوية، بل هو استثمار مباشر في مستقبل الوطن. فكل طبيب ومهندس وضابط وقاضٍ ووزير وقائد مر من بين يدي معلم بذل جهده وصبر على ظروفه ليؤدي رسالته السامية.
وقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
قم للمعلم وفِّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
وقال أيضاً:
أعلمت أشرف أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئ أنفساً وعقولا
هذه الأبيات الخالدة لم تكن مجرد مدح للمعلم، بل كانت وصفاً دقيقاً لمكانته ودوره في نهضة الأمم وصناعة الحضارات.
إن الخطوة التي قادها والي كسلا تستحق التقدير لأنها جاءت في توقيت بالغ الأهمية مع اقتراب انطلاقة العام الدراسي الجديد، وهو ما يبعث برسالة طمأنينة للمعلمين وأسرهم ويؤكد أن حكومة الولاية تدرك حجم التحديات التي يواجهونها.
غير أن السؤال الأهم يظل قائماً: كيف ننتقل من معالجة المتأخرات والمستحقات إلى بناء حلول مستدامة تضمن تحسين أوضاع المعلمين بصورة دائمة؟
هنا تبرز الحاجة إلى التفكير خارج الصندوق، والانتقال من سياسة المعالجات المؤقتة إلى مشاريع إنتاجية واستثمارية طويلة المدى تعود عوائدها مباشرة على المعلمين.
ومن بين الأفكار العملية التي تستحق الدراسة إنشاء مشروع تحت مسمى مزرعة المعلم في كل محلية من محليات ولاية كسلا، بحيث تخصص مساحات زراعية منتجة لصالح المعلمين، وتدار وفق أسس اقتصادية حديثة من خلال جمعيات أو شركات تعاونية يشارك فيها المعلمون أنفسهم.
ويمكن أن تشمل هذه المشروعات زراعة المحاصيل النقدية والخضر والفاكهة أو مشروعات الثروة الحيوانية والدواجن، بحيث يتم تخصيص جزء من العائد لتحسين دخول المعلمين ودعم الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية الخاصة بهم.
وليس ذلك بالأمر المستحيل، فولاية كسلا تمتلك من الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية والمياه والخبرات ما يؤهلها لأن تكون من الولايات الرائدة في الإنتاج الزراعي والحيواني. وإذا أحسن استغلال هذه الإمكانات، فإنها قادرة على تحويل المعلم من منتظر للدعم إلى شريك في الإنتاج والتنمية.
كما يمكن التوسع مستقبلاً في إنشاء جمعيات استهلاكية للمعلمين، ومشروعات إسكانية تعاونية، وصناديق ادخار واستثمار، بما يحقق الاستقرار الاقتصادي لهذه الفئة المهمة.
إن نهضة الأمم لا تبدأ من الأبراج العالية ولا من الطرق المعبدة وحدها، وإنما تبدأ من الفصل الدراسي، ومن المعلم الذي يقف كل صباح ليزرع في نفوس أبنائنا العلم والقيم والانتماء.
ومن هنا فإن دعم المعلمين ليس إنفاقاً استهلاكياً، بل استثمار وطني من أعلى درجات الاستثمار.
واليوم تستحق حكومة ولاية كسلا الإشادة على هذه الخطوة، لكنها مطالبة كذلك بمواصلة الجهود حتى الوصول إلى مرحلة يحصل فيها المعلم على راتب كريم يكفل له حياة مستقرة تليق بمكانته ورسالة يؤديها نيابة عن المجتمع كله.
فإذا أردنا لكسلا أن تتقدم، وللسودان أن ينهض، فعلينا أن نضع المعلم في مقدمة الأولويات.
فالمدارس تصنع الأجيال، والأجيال تصنع الأوطان، والمعلم هو حجر الأساس في هذه المعادلة كلها.