كامل إدريس بين فجوة التجربة وتحدي الممارسة

ضل الحراز / بقلم : علي منصور حسب الله

0 44

قليلون هم الذين أُتيح لهم أن يشقّوا طريقهم في محراب المنظمات الدولية الكبرى ؛ وأن يتدرّجوا فيها حتى يبلغوا أعلى مواقعها التنفيذية ؛ فالدكتور كامل الطيب إدريس عبد الحفيظ واحد من أولئك الذين استطاعوا أن يصنعوا لأنفسهم مكانةً بارزة على الساحة العالمية ؛ منذ التحاقه بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية عام 1982؛ وهو في الثامنة والعشرين من عمره وحتى تعيينه مديرًا عامًا للمنظمة عام 1997 ؛ وهو المنصب الذي ظل يشغله إحدى عشرة سنة كاملة إلى عام 2008 .

 

هذه السنين الطويلة داخل العمل الدولي لم تكن مجرد منصب وظيفي ؛ بل كانت مدرسة متكاملة في الإدارة الحديثة ؛ وفي فَنِّ تسيير المؤسسات وفق أنظمة واضحة وهياكل دقيقة ومسؤوليات محددة ومسارات محكومة بإجراءات مكتوبة ؛ لا مكان فيها للاجتهادات العشوائية أو الأوامر الشفهية أو العلاقات الشخصية أو نظام الشلة والمحسوبية ؛ فهذه المنظمات لا تنتظم عملها الكفاءة فحسب ؛ بل يقوم هيكلها على واحدة من أهم ركائز الحكم الرشيد المؤسسية .

 

لذلك كان من المنتظر والمنطقي أن تشكل عودة كامل إدريس إلى السودان فرصةً ذهبية لاستثمار هذا الإرث الإداري الغني في بناء نموذج مختلف لإدارة الدولة ؛ نموذج يُعيد ترتيب البُنى الحكومية وفق أسس حديثة ؛ ويجعل من وضوح الصلاحيات ومأسسة الإجراءات مكتسبًا وطنيًا يعالج حالة الفوضى وتداخل المهام وغياب التخطيط التي عانت منها الدولة لعقود ؛ فأكثر ما يحتاجه بلدٌ مثل السودان هو تأسيس بيئة إدارية تقوم على هياكل تنظيمية واضحة وموثقة تُعرِّف بدقة الصلاحيات والمسؤوليات ؛ تمنع تضارب الأدوار وتداخل السلطات ؛ وتستبدل المزاجية والعلاقات الشخصية بسياسات مكتوبة وإجراءات مفهومة ؛ هذه ليست ترفًا إداريًا ؛ بل هي حجر الأساس لأي دولة حديثة تحلم بالاستقرار والتنمية .

 

غير أن ما حدث بعد عودته إلى السودان لم يعكس ذلك الإرث المهني الممتد ؛ فبدلًا من أن تتجلى في قراراته روح الإدارة الدولية التي عايشها لسنوات ؛ وجد السودانيون أنفسهم أمام ذات العقلية السلطوية التي تنتقي وتقرّر بـ(نظام الشلّة) لا بنظام الكفاءة ؛ وبدلًا من ترسيخ ثقافة الإجراءات المكتوبة التي تُعد العمود الفقري لأي مؤسسة محترفة ؛ برزت ممارسات لا تنتمي إلى عالم الإدارة الحديثة الذي خبر تفاصيله لعقود ؛ بل الأكثر قسوة أن التواصل الحكومي أُدير بمنهج فردي مباشر عبر قنوات إعلامية تجاوزت الأطر المؤسسية ؛ وأنتجت حالة من الضبابية والفوضى إلى درجة أن رئيس الوزراء يتصل بنفسه مباشرة بإعلامية اوقفت بقرار من وزارة الثقافة والإعلام والسياحة ؛ هذا الاتصال المعيب كنا ننتقده إذا قام به وزير الثقافة والإعلام والسياحة بنفسه ؛ وليس الموظف المسؤول ؛ بعض هذه الممارسات تكشف المنهج العشوائي الذي ينتهجه خريج مدرسة المنظمات الدولية رئيس الوزراء ؛ الذي اغافل قضايا مأساوية مثل ارتفاع عدد ضحايا مسيرة المليشيا في كالوقي إلى 177 شهيدًا بينهم 72 طفلًا في واحدة من المآسي التي كان ينبغي أن تهز أي مسؤول وطني يمتلك حسًا إنسانيًا ورؤية قيادية رشيدة ؛ يمكن تفسير هذا التباين بين خبرة دولية عميقة وممارسة محلية مرتبكة بعدة عوامل ؛ الخلل البنيوي في مؤسسات الدولة السودانية يجعل أي إصلاح يصطدم بجدران صلبة من المصالح وشبكات النفوذ .

 

وتحوّل بعض القيادات حين تتسلم السلطة من مهنيين إلى سياسيين ؛ فتغلبت اللغة السلطوية على منطق الإدارة الحديثة وسحر السلطة الذي يبتلع حتى أصحاب التجارب الدولية الرفيعة أمثال الدكتور كامل إدريس ؛ فيغدو الهدف هو السيطرة لا بناء النظام

وغياب الإرادة الحقيقية للإصلاح لأن الإصلاح المؤسسي غالبًا ما يهدد المواقع غير المستحقة ومسارات الامتيازات غير المشروعة ؛ كان يمكن للدكتور كامل إدريس أن يكون نموذجًا مختلفًا في الحكم صاحب رؤية مؤسسية حقيقية ينقل للسودان ثقافة الإدارة الدولية التي خبرها ويبني دولة حديثة تعتمد الوثيقة بدل الهاتف والإجراء بدل المزاج والمؤسسة بدل الفرد .

 

لكن الواقع اليوم يقول إن هذه الفرصة لم تُستثمر وما خسره السودان ليس مجرد (خبرة) كان يُنتظر أن تُطبق ؛ بل خسر قدوة كان يمكن أن تغيّر مفاهيم الحكم جذريًا لو تمسك صاحبها بما تعلمه من عالم الإدارة الراقية ؛ إن الأزمة هنا ليست في شخص الدكتور كامل إدريس وحده ؛ بل في بنية الحكم في السودان التي تبتلع الجميع وتعيد إنتاج العقلية السلطوية ذاتها مهما كانت خلفيات القادمين ومع ذلك فإن المسؤولية الأخلاقية والمهنية تفرض على كل من يمتلك تجربة دولية رصينة أن يصون قيمها وأن يرفض الانزلاق إلى عشوائية الدولة لأنها ليست مجرد عشوائية … بل هي سبب مآسي يدفع ثمنها مواطنون بسطاء كأولئك الذين ارتفع عدد شهدائهم في كالوقي ؛ بل لم يجدوا حتى اهتمامًا رسميًا يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.