بقلم : فخري فركاوي 

1

في علم النفس الاجتماعي، ثمة حقيقة مُرّة تتكرر عبر التاريخ؛ كل إنسان عاجز، أو كسول تقاعس عن الفعل، يبني في مخيلته صنماً من الوهم ليرمي عليه خيباته ويعلق عليها أسباب قعوده. فتارةً يكون هذا الصنم شماعة شحّ الإمكانيات، وتارةً يتجسد في غلاء الأسعار وارتفاع الدولار، وتارةً يُنحت في العبارة الانهزامية البائسة: البلد دي خلاص انتهت وما نافعة!. وهكذا يستمر صناع الأعذار في عبادة عجزهم والهروب من استحقاقات البناء والتغيير.

لكن، هل فكّر هؤلاء يوماً ماذا يحدث لو أننا امتلكنا شجاعة إبراهيم عليه السلام، وحملنا فأس الإرادة لنهشم بها تلك الأصنام الوهمية التي قيدت عقولنا لسنوات؟

الإجابة العملية والساطعة جاءتنا حين افتتح وزير الصحة الاتحادي البروفيسور هيثم محمد إبراهيم، ووالي ولاية كسلا اللواء ركن (معاش) الصادق الأزرق، مركز كسلا لأمراض وجراحة القلب والقسطرة. لم يكن هذا الحدث مجرد احتفال بروتوكولي بافتتاح منشأة طبية جديدة، بل كان بياناً عملياً صارخاً يعلن وفاة المستحيل وسقوط كل أصنام التبرير والقعود.

تأملوا معي تفاصيل المشهد برؤية فاحصة: هذا المشروع ظل متعثراً في دهاليز الانتظار لأكثر من خمسة عشر عاماً، في سنوات كان يُفترض أنها سنوات وفرة وسلام ورخاء، فما الذي جعله يرى النور ويكتمل تجهيزه اليوم تحديداً؟ اليوم، والبلاد تخوض حرباً وجودية طاحنة، وتحت وطأة ظروف اقتصادية بالغة التعقيد، وحصار تفرضه تداعيات النزوح وضغط الموارد!

السر يكمن في تلك العبارة المدوية التي أطلقها والي كسلا اللواء الصادق الأزرق، عندما أعلن بوضوح وامتنان: إن مساهمة مواطني الولاية والمكونات المجتمعية والخيرين تجاوزت 70% من جملة إنجاز وتجهيز هذا الصرح الطبي.

هنا تتجلى المعجزة الحقيقية؛ أكثر من ثلثي تكلفة مركز متخصص في جراحة وقسطرة القلب وهي من أعقد وأغلى التخصصات الطبية تكلفة في العالم جاءت من عرق ودعم أهل كسلا، ومجتمعها المحلي، ورجال أعمالها، وأصحاب الأيادي البيضاء، ليتكامل هذا العطاء الشعبي مع التخطيط والمتابعة اللصيقة من حكومة الولاية ووزارة الصحة الاتحادية لقد أثبت مواطنو كسلا أن الظروف الاستثنائية. التي يتذرع بها الكسالى يمكن أن تتحول إلى وقود للتحدي، وأن انتظار الدعم الخارجي الكامل سراب لا يروي عطش المرضى الذين كانوا يقطعون آلاف الكيلومترات طلباً للعلاج خارج الولاية، وربما فاضت أرواح بعضهم قبل أن تبلغ المشافي البعيدة.

إن درس مركز كسلا للقلب، الذي يتوج اليوم منظومة القلعة الطبية بجانب مستشفيات الكلى والأطفال والأورام، هو رسالة بليغة موجهة إلى كل سوداني وسودانية: كفاكم نوحاً على ركام الأزمات، وكفاكم تعليقاً للفشل على شماعات الظروف؛ فالمعجزات لا تصنعها الأموال الطائلة وحدها، بل تصنعها الإرادة الحرة الحية حين تقرر أن تكسر أصنام التردد والعجز.

إن الشعوب التي تبني مراكز جراحة القلب في ذروة الحرب، وتقدم مجتمعاتها 70% من كلفة الأمل، هي شعوب عصية على الانكسار والهزيمة؛ وما دام فينا هذا النبض الحي وهذا التكاتف الصادق، فإن قيامة السودان ونهضته الشاملة آتية لا ريب فيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.