تقارب طهران وإسلام آباد… إعادة تشكيل موازين القوة أم تمهيد لتحالف ردع جديد؟ بقلم: د. الطاهر موسى الحسن
ما يجري في الإقليم اليوم من سباق مارثوني أفرزه العدوان الامريكي الاسرائيلي علي ايران لم يعد مجرد حراك دبلوماسي تقليدي، ولا يمكن تفسيره في إطار الزيارات البروتوكولية المتعلقة بهكذا مناسبات، بل نحن أمام لحظة إعادة تشكيل حقيقية لموازين القوى، تتجاوز حدود التكتيك السياسي إلى عمق الهندسة الاستراتيجية. فالتحرك الإيراني الأخير باتجاه باكستان، بهذا المستوى من التمثيل، يحمل في طياته رسائل متعددة، أولها أن طهران قررت الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة صناعة التوازن.
إن ترؤس محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشوري الايراني (البرلمان) لوفد يضم شخصيات محورية من بينها عباس عراقجي وزير الخارجية، إلى جانب عناصر فاعلة من المجلس الأعلى للأمن القومي، يشير بوضوح إلى أن الأمر يتجاوز التنسيق السياسي إلى مستوى إعادة ترتيب البنية الأمنية الإقليمية. فهذه التركيبة لا تُستخدم عادة في ملفات اقتصادية أو دبلوماسية عادية، بل في اللحظات التي تُرسم فيها خطوط الاشتباك الكبرى، أو تُعاد صياغة التحالفات.
السؤال المحوري هنا ليس عن أسباب زيارة الوفد إلى الباكستان، بل لماذا بهذا الحجم والتمثيل؟ فالتوقيت يأتي في ظل تصاعد غير مسبوق للتوترات في الشرق الأوسط، ووسط مؤشرات على احتمالات توسع رقعة الصراع. وفي مثل هذه البيئات، تميل الدول إلى تأمين عمقها الاستراتيجي، وبناء شبكات ردع متعددة الطبقات، وهو ما قد يفسر هذا الانفتاح الإيراني المكثف على إسلام آباد.
وجود شخصيات اقتصادية بارزة، مثل محافظ البنك المركزي، داخل وفد يغلب عليه الطابع الأمني، يطرح دلالة لا تقل أهمية عن البعد العسكري. فالحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح فقط، بل بالمال أيضاً. ومن هنا، فإن الحديث عن ترتيبات مالية موازية، أو آليات للالتفاف على الضغوط الاقتصادية، يصبح احتمالاً قائماً، خاصة في ظل العقوبات التي تواجهها طهران. إن الجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة في وفد واحد يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الصراع المركب الذي تخوضه إيران.
ولا يمكن إغفال البعد النووي في هذا السياق، فالتقارب مع دولة تمتلك قدرات نووية مثل الباكستان يفتح باب التكهنات حول طبيعة التعاون المحتمل، حتى وإن ظل في إطار الردع غير المعلن. فالدول، في مثل هذه الظروف، لا تعلن كل ما تفكر فيه، لكنها تبعث برسائل محسوبة لمن يهمه الأمر. وهنا، قد يكون الهدف هو خلق توازن ردع نفسي قبل أن يكون عسكرياً فعلياً.
في المقابل، فإن هذا التحرك يضع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أمام اختبار حقيقي. فهل ستتعامل مع هذا التقارب باعتباره تهديداً يستوجب الاحتواء، أم واقعاً جديداً ينبغي التكيف معه؟ تصريحات وسلوكيات إدارة دونالد ترامب في ملفات مشابهة تشير إلى ميل نحو دبلوماسية الصفقات لكن مثل هذه المقاربات قد لا تكون كافية في مواجهة تحالفات تُبنى على اعتبارات أمنية عميقة، لا على مصالح آنية فقط.
إن ما يعزز من خطورة هذا المشهد هو أن المنطقة تقف بالفعل على حافة انفجار محتمل، حيث تتداخل الملفات من الخليج إلى الشام، وتتشابك المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية. وفي مثل هذه البيئة، فإن أي تحالف جديد خاصة إذا كان ذا طابع أمني أو شبه عسكري يمكن أن يعيد رسم خطوط النفوذ بشكل جذري.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من المبالغة في توصيف الأمور بوصفها تحالفاً نهائياً أو اصطفافاً كاملاً، فالعلاقات الدولية تحكمها المصالح المتغيرة، لا العواطف أو الشعارات. فباكستان، رغم انفتاحها، تظل دولة تحسب خطواتها بدقة، وتوازن بين علاقاتها مع القوى الكبرى، ولا تنخرط بسهولة في محاور مغلقة قد تقيد حركتها.
في المحصلة، نحن أمام مشهد مفتوح على كل الاحتمالات: تنسيق أمني متقدم، تفاهمات اقتصادية عميقة، أو حتى محاولة لبناء محور ردع جديد في مواجهة الضغوط الغربية. لكن المؤكد أن ما يجري ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، تُعاد فيها صياغة التحالفات بعيداً عن القوالب التقليدية.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستقود هذه التحركات إلى توازن يمنع الانفجار، أم إلى اصطفافات حادة يعجل به؟ في كلتا الحالتين، فإن الشرق الأوسط لم يعد كما كان، وما يُكتب اليوم في الكواليس، سيظهر أثره قريباً في العلن. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.