وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي.. يكتب :الكهرباء… أزمة أم امتحان ؟
أصدرت وزارة الطاقة، السبت، بياناً أوضحت فيه حجم الأضرار التي تعرض لها قطاع الكهرباء بسبب الحرب، مؤكدة استمرار أعمال إعادة تأهيل المحطات والخطوط والتوزيع ،وتحسين الإمداد الكهربائي للمرافق الحيوية، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة والربط الكهربائي الإقليمي.
ويبدو أن بيان الوزارة جاء في إطار توجيهات مجلس الأمن والدفاع الأخيرة بضرورة توفير الكهرباء والمياه للمواطنين العائدين إلى مناطقهم.
غير أن البيان، في قراءته السياسية، بدا أقرب إلى “اعتذار ذكي” للمجلس يوضح حجم التعقيدات التي يعيشها القطاع، أكثر من كونه تعهدًا بقدرة عاجلة على تنفيذ تلك التوجيهات. فالوزارة سعت إلى وضع الرأي العام أمام حقيقة أن أزمة الكهرباء تجاوزت المعالجات التقليدية، وأصبحت مرتبطة بحجم الدمار الذي خلفته الحرب، وبحاجة القطاع إلى إعادة بناء شبه كاملة في ظل إمكانيات تشغيلية محدودة وظروف استثنائية معقدة.
لكن القراءة التنموية للأزمة تتجاوز حدود ما اوضحته الوزارة ، لأن الكهرباء، هي عصب الاقتصاد وسبب الاستقرار. فكل انقطاع للكهرباء يعني توقفًا جزئيًا للإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطلًا للخدمات الصحية والتعليمية، وتآكلًا لثقة المواطن في مؤسسات الدولة. لذلك فإن أزمة الكهرباء، ظلت تدور داخل حلقة الطوارئ بدل التخطيط الاستراتيجي.
ومن المهم عند النظر للأزمة الحالية، ألا يُختزل المشهد في صورة الانهيار وحدها، لأن قطاع الكهرباء في السودان شهد بالفعل إصلاحات وتوسع مهمة خلال العقدين الماضيين. فقد دخل سد مروي الشبكة بطاقة قاربت 1250 ميقاواط، ثم جاءت تعلية خزان الرصيرص بإضافة نحو 450 ميقاواط، إلى جانب محطة أم دباكر الحرارية بقدرة 500 ميقاواط، وهو ما مثّل آنذاك نقلة كبيرة في قدرة البلاد الإنتاجية.
كما لم يقتصر التوسع على الشبكة القومية وحدها، بل امتد إلى التوليد الحراري المستقل في ولايات دارفور وكردفان بنحو 12 ميقاواط، في محاولة لمعالجة الاختلال، في توزيع الخدمة بين المركز والأطراف.
وتواصلت بعد ذلك مشاريع التوسع عبر مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت بإضافة 400 ميقاواط، إلى جانب أعمال واسعة في محطات قري (1) و(2) و كلاناييب بولاية البحر الأحمر تعمل بالوقود المزدوج، ضمن خطة تشغيلية كان يتوقع أن تضيف نحو 900 ميقاواط جديدة للشبكة القومية.
هذه المشروعات لم تكن مجرد توسعات روتينية ، بل كانت جزءًا من رؤية استراتيجية طموحة هدفت إلى رفع الإنتاج الكهربائي إلى نحو 10 آلاف ميقاواط بحلول عام 2030، استجابةً للزيادة السنوية في الطلب على الكهرباء، المقدرة بنحو 20٪، بفعل التوسع العمراني والنمو السكاني والتطلعات التنموية في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات.
غير أن عدم الاستقرار السياسي، ومراكز النفوذ داخل القطاع وتبدل الأولويات، والصراعات التي أحاطت بشراكات الكهرباء، أدت إلى انقطاع ذلك المسار الاستراتيجي قبل اكتماله. فتحولت الخطة من مشروع دولة طويل الأمد إلى استجابات إسعافيه متقطعة، بينما استمرت الأحمال في الارتفاع بوتيرة أسرع من قدرة الشبكة على التوسع والصيانة والتحديث.
الحرب الحالية كشفت ضعف بنية الكهرباء، لكنها فتحت نافذة لإعادة التفكير في القطاع . فالعالم تجاوز منذ عقود فكرة الاحتكار الحكومي للكهرباء، واتجه إلى تحرير الإنتاج وفتح المجال للمنافسة والاستثمار، مع بقاء الدولة في موقع التنظيم والرقابة وحماية العدالة في الوصول للخدمة.
السودان اليوم، بحسب خبراء، يحتاج إلى الانتقال من عقلية “إدارة الشبكة” إلى عقلية “إدارة سوق الطاقة”. وهذه النقلة لا تتحقق فقط بالسماح للقطاع الخاص بإنتاج الكهرباء، بل بتفعيل الأدوار التي أُنشئت من أجلها الشركة القابضة للكهرباء والجهاز الفني لتنظيم ورقابة الكهرباء، بما ينظم العلاقة بين التوليد والنقل والتوزيع. كما أن هناك فرص تمويل جاهزة عبر نظام الـBOT، لكن الاستفادة منها تظل مرتبطة بوجود بيئة مستقرة ورؤية واضحة للقطاع.
فالاستثمار في الكهرباء لا يمكن أن يتم بقرارات معممة أو دعوات عاطفية للقطاع الخاص. المستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة، وقوانين واضحة، وضمانات قانونية ومصرفية، وتعرفة شفافة، وشبكات نقل مفتوحة وعادلة. وهنا تظهر المعضلة الحقيقية: كيف يمكن لمستثمر أن يدخل سوق الكهرباء بينما الدولة لا تزال تحتكر النقل والتوزيع، والبنية التنظيمية لم تُحسم بعد؟
ومع ذلك، فإن الواقع السوداني يفرض مقاربة مختلفة وأكثر مرونة. فالشبكة القومية أصلًا لا تغطي سوى نسبة محدودة من البلاد، ما يعني أن هناك مساحات واسعة يمكن أن تتحول إلى أسواق جديدة للطاقة البديلة، خاصة الشمسية ، دون انتظار التمدد التقليدي المكلف للشبكات المركزية.
ولعل من المفارقات التي كشفتها الحرب أن انتشار الطاقة الشمسية وسط المواطنين حدث بصورة أسرع من أي خطط رسمية سابقة، بعدما دفعت ظروف الانقطاع الناس إلى البحث عن حلول ذاتية للبقاء. وهذه التجربة، رغم تحدياتها ، تؤكد أن المجتمع السوداني يمتلك استعدادًا عمليًا للتحول نحو الطاقة البديلة إذا توفرت البيئة المناسبة والتشريعات المحفزة.
وفي سياق إعادة الإعمار المرتقب ، تصبح قضية الكهرباء أكثر تعقيدًا وأشد ارتباطًا بالقرار السياسي والاقتصادي للدولة. فالشركات الأجنبية التي يُعوَّل عليها لدخول البلاد لا تبدأ أسئلتها من الإعفاءات الضريبية أو الأراضي الاستثمارية، بل من سؤال واحد: كم يبلغ حجم الطاقة المتاحة والمستقرة في البلاد؟ لأن الكهرباء بالنسبة للمستثمر ، هي المؤشر الأول على جدية الدولة وقدرتها على حماية الإنتاج ودعم الموارد التنموية.
ولهذا بحسب #وجه_الحقيقة فإن أي حديث عن إعادة إعمار حقيقية دون معالجة جذرية لأزمة الكهرباء سيظل حديثًا ناقصًا. فاللحوجة المستقبلية للطاقة لن تكون مرتبطة فقط بالقطاع السكني، رغم أهميته الاجتماعية، وإنما بالقطاعين الزراعي والصناعي باعتبارهما العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية قادمة، ذلك هو سؤال مقالنا الكهرباء… أزمة أم امتحان؟
دمتم بخير وعافية.
الأثنين 25 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#الكهرباء_أزمة_أم_امتحان_دولة
#أزمة_الكهرباء_في_السودان
#إعادة_إعمار_السودان
#قطاع_الكهرباء
#الطاقة_في_السودان
#التنمية_في_السودان
#الاقتصاد_السوداني
#الطاقة_المتجددة
#الاستثمار_في_السودان
#إبراهيم_شقلاوي