مأزق ترامب في مواجهة إيران: قراءة في مشهد الانهيار الاستراتيجي الأمريكي د. طاهر موسى الحسن
في مشهد يعكس حالة من التخبط الاستراتيجي غير المسبوق، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعبة تمديد المهلة تلو الأخرى متنقلاً من ثمانيه وأربعون ساعة إلى خمسة أيام، ثم إلى عشرة أيام، تحت ذريعة منح الحكومة الإيرانية فرصةً جديدة. إنه سلوك لا يليق بقائد أعلى لأكبر قوة عسكرية في العالم، بل أشبه بفيلم مكسيكي ساخر، يبحث فيه البطل عن مخرج من مأزق أوقع نفسه فيه، فيواصل الغوص نحو القاع. الحقيقة أن الإدارة الأمريكية اليوم تعيش أزمة ثقة حقيقية مع نفسها؛ فهي لا تملك القدرة على تنفيذ تهديداتها بضرب منشآت الطاقة الإيرانية، ولا تجد سبيلاً إلى الانسحاب دون أن تفقد ما تبقى من هيبتها. لذلك اختارت شراء الوقت بأي ثمن، في محاولة يائسة لترتيب أوراق قواتها المتدفقة إلى منطقة الشرق الأوسط.
في تقرير نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية، وهي من كبريات الصحف في المملكة المتحدة، خلص المحللون إلى أن إيران هي الفائز الأكبر في المواجهة الراهنة. والسبب واضح: الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا أيّاً من أهدافهما المعلنة حتى الآن. فالأحداث على الأرض لا تسير في صالح واشنطن كما كان متوقعاً، في وقت بات فيه ارتفاع أسعار البنزين والسلع الأساسية داخل أمريكا نفسها يشكل ضغطاً شعبياً متزايداً على إدارة ترامب. أما إسرائيل فتبدو غير راغبة في إنهاء الحرب إذ ترى أنها لم تنجز بعد أهدافها. وهنا يكمن ذكاء الاستراتيجية الإيرانية: فطهران لم تكتف بالردع، بل زادت من وتيرة الهجمات، ووسعت رقعة المواجهة، مستغلة ببراعة تمدد الحرب لتحقيق ضغط اقتصادي عالمي عبر التأثير على إمدادات النفط والغاز في مضيق هرمز.
النتيجة الأكثر خطورة على المشروع الأمريكي في المنطقة، كما يقرأها المراقبون، هي أن العالم بات ينظر إلى واشنطن وتل أبيب بصفتهما الطرف المسؤول عن استمرار الأزمة. هذا التحول في الوعي الدولي منح إيران قوة سياسية غير مسبوقة، وأصبح طول أمد الحرب يزيد من احتمالات انسحاب أميركي مخزٍ، تاركةً إسرائيل تواجه وحدها معادلة إقليمية جديدة. لكن إدارة ترامب، بدلاً من أن تراجع حساباتها، اختارت التصعيد العسكري المباشر. فوفق المعلومات المتداولة، حشدت الولايات المتحدة أكثر من خمسة آلاف جندي من نخبة قواتها، في إشارة إلى الاستعداد لغزو بري للجزر الإيرانية. إلا أن إيران كانت بالمرصاد، فأعلنت عن حشد مليون جندي لمواجهة أي اجتياح بري، كما استكملت تجهيز جزيرة خرج بالألغام، في مشهد يقول للعالم: نحن مستعدون لهذه المعركة منذ أربعين عاماً.
القادة الإيرانيون يتحدثون عن أرقام صادمة، تعلنها قيادة الأركان الإيرانية، تشير إلى مئات القتلى وآلاف الجرحى في صفوف القوات الأميركية. ومع أن التعامل مع الأرقام الإيرانية يتطلب قدراً من التحفظ، إلا أن تقريراً لصحيفة نيويورك تايمز كشف عن حقيقة أكثر إيلاماً للوجود العسكري الأميركي في المنطقة؛ إذ وصف التقرير القواعد الأميركية في الخليج بأنها أصبحت خارج الخدمة وتحولت إلى ركام، لدرجة أن الجنود الأميركيين باتوا يضطرون إلى العمل من فنادق ومكاتب وسط المدنيين في دول الخليج.
أما الجيش الإسرائيلي، فالصورة تبدو أكثر قتامة. ففي اجتماع عُقد مؤخراً بين قادة الجيش وحضره رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، اعترف رئيس الأركان إيال زامير بأن الجيش ينهار من الداخل» وأن قوات الاحتياط لم تعد قادرة على الاستمرار، في ظل نقص حاد في القوى البشرية. وتحدث زامير عن عشرة أعلام حمراء في إشارة إلى حالة الاستنفار القصوى التي يعيشها جيش طالما صدر صورة القوة التي لا تقهر.
كل هذه المؤشرات تؤكد حقيقةً واحدة: العدو ليس بهذه القوة التي يتوهم البعض، وإيران وحلفاؤها ليسوا بهذا الضعف الذي يظنه البعض. إن ما يجري اليوم على أرض المعركة ليس مجرد مناوشات عابرة، بل هو إعادة تشكيل لموازين القوى في المنطقة، تتيح فرصة تاريخية لم تكن متاحة من قبل. الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه: «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ» (سورة الحشر: 14). إنها آية تحمل دلالة واضحة على أن الانتصار لا يكون بقوة العدد وحده، بل بوحدة الصف وصدق الإرادة. إن ما ينقص المسلمين اليوم هو الإيمان بقوتهم الذاتية، والثقة في القدرة على الانتصار، إذا ما اجتمعت على قلب رجل واحد، استغلت هذه اللحظة التاريخية التي تتكشف فيها بوضوح هشاشة المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة.