ترامب بين وهم النصر وحقيقة الاستنزاف: هل تقود أمريكا إلى كارثة نووية؟ بقلم: د. طاهر موسى الحسن
في مشهد يكشف هشاشة صناعة القرار في أعلى مستويات الإدارة الأمريكية، تتصاعد التسريبات من داخل البنتاغون لتكشف عن واقع مرعب: الرئيس ترامب يعيش في غرفة صدى مغلقة، حيث يُعرض عليه يوميًا مقطع فيديو مدته دقيقتان يضم أنقى المشاهد الانفجارية للضربات الناجحة، فيما تُحجب عنه تمامًا الخسائر الحقيقية التي تتكبدها القوات الأمريكية في مواجهة إيران.
تقرير شبكة NBC الأخير فتح النار على هذه الآلية الخطيرة، موثقًا أن المستشارين العسكريين يتعمدون إخفاء إصابات طائرات التزود بالوقود في السعودية، والحرائق التي أجبرت حاملات الطائرات على الانسحاب، والإنجازات الإيرانية المتكررة في الميدان. والنتيجة؟ قائد أعلى للقوات المسلحة يظن أنه يحقق أعظم انتصار في التاريخ، بينما حقائقه الميدانية تتجه نحو الانهيار.
إيران ترد: حاملات طائرات تنسحب وطائرات تسقط
أعلن الحرس الثوري الإيراني، أمس، استهداف حاملة الطائرات الأمريكية إبراهام لينكولن بصواريخ كروز بحرية، مما أجبرها على التراجع والانسحاب من موقعها، مع تهديدات بتكرار الضربة حال اقترابها مجددًا. وقبلها، كانت حاملة جيرالد فورد قد غادرت المنطقة إلى اليونان لإصلاحات بعد أضرار لحقت بها، في مشهد عززته إيران بإعلانها استهداف طائرة F-18 فوق أراضيها.
الجيش الأمريكي، وفق عادته، ينفي تارة ويقلل من الخسائر تارة أخرى، لكن وقائع الميدان تتحدث بوضوح عن معادلة جديدة: الردع الإيراني صار قادرًا على تهديد أعظم أصول القوة الأمريكية في المنطقة.
في خضم هذا المشهد، وتحت غطاء المفاوضات التي يلوح بها ترامب مع مهلة تنتهي اليوم (27 مارس) قبل أن يمددها ترامب عشرة أيام أخرى اي حتى السادس من أبريل القادم كشفت صحيفة واشنطن بوست عن أوامر سرية صادرة من البيت الأبيض للفرقة 82 المحمولة جوًا، إلى جانب وحدات النخبة من الرينجرز ودلتا فورس وسيلز، للتحرك فورًا إلى الشرق الأوسط للتحضير لعملية غزو بري شامل تستهدف الجزر الإيرانية الاستراتيجية: خرج، أبو موسى، طنب الكبرى، وقشم، وهي الجزر التي تمثل عصب تصدير النفط الإيراني.
الغزو المرتقب، وفق التقارير، يهدف إلى فرض أمر واقع جديد قبل أن تلوح إيران بالقدرة على إغلاق مضيق هرمز بالكامل.
من جانبها، تتعامل إيران مع المناورة الأمريكية ببرود محسوب. وزير الخارجية عباس عراقجي أعلن أن لا مفاوضات مباشرة مع واشنطن، وأن الرسائل تمر عبر وسطاء فقط، مشددًا على أن الحديث الأمريكي عن التفاوض هو اعتراف بالهزيمة بعد أن كانوا يطالبون بالاستسلام غير المشروط. كما كشف أن إيران تسمح بعبور مضيق هرمز للدول الصديقة فقط، وهي الدول التي تتعامل معها تجاريًا مثل الصين وروسيا والهند والعراق، فيما تُمنع دول الأعداء من العبور.
لكن الأخطر جاء على لسان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي أعلن أن طهران لديها معلومات استخباراتية مؤكدة عن تورط دولة عربية في التخطيط للغزو الأمريكي للجزر الإيرانية، متوعدًا بأن أي خطوة عدوانية ستقابل باستهداف كافة البنية التحتية الحيوية لتلك الدولة الإقليمية بهجمات متواصلة لا هوادة فيها
هذا التصريح يحمل رسالة واضحة: الحرب القادمة إن اندلعت لن تكون ثنائية بين واشنطن وإسرائيل من جهة وطهران من الجهة الأخرى ، بل ستمتد لتشمل حلفاء أمريكا في المنطقة بدمار لم تشهده المنطقة من قبل.
روسيا تحذر: كارثة نووية وشيكة
في تطور لافت، حذرت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا من أن التصعيد الأمريكي، تحت غطاء المفاوضات سيئة النية، يقود المنطقة إلى شفا كارثة نووية، مشيرة إلى أن واشنطن تتعامل بنية سيئة وأن الإصرار على احتلال الجزر الإيرانية قد يفجر صراعًا إقليميًا لا يمكن احتواؤه.
ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هو صراع بين عقلية أمريكية منفصلة عن الواقع، تراهن على فيديوهات النصر المصطنعة، وبين إيران التي راهنت على الصمود وتحولت من موقع الدفاع إلى تهديد القواعد والحاملات، بل إلى كشف شبكة من المتواطئين في المنطقة.
ترامب يريد غزوة سريعة تليق بصورة المنتصر التي يرسمها له مستشاروه، لكن إيران أعدت مفاجآتها ووضعت سيناريوهات الرد على أي مغامرة برية. المنطقة على أعتاب أيام حاسمة، والخيارات المتاحة ضيقة، والعواقب قد تكون أشد فداحة مما يتصور أي من الطرفين.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.