فائز عبد الله..يكتب :*حين تتكلم المتاحف.. الذاكرة الوطنية لا تهزم *
في زحام الحاضر وضجيجه، تظل المتاحف صامتة لكنها لا تسكت جدرانها تنطق بحكايا ممالك سكنت الأرض قبلنا، وأيدٍ نحت الحجر فخلدت اسمه هنا في السودان، حيث تلاقت الحضارات على ضفاف النيل وفي وديان الغرب وسهول الشرق، يتحول الماضي إلى جسرٍ يربط بين ولايات متباعدة بمسافات الأرض، لكنها قريبة في الذاكرة والوجدان
من هذا المنطلق انطلق حديث رئيس المبادرة الفاتح بهلول خلال المؤتمر التنويري الذي احتضنه المركز الثقافي بأمدرمان، ليؤكد أن ما خلفته الثقافات والحضارات القديمة لم يكن مجرد آثار، بل إرثاً حياً انصهر ليكون جزءاً من هوية الأمة السودانية
وقال بهلول إن العلاقات بين مكونات الشعب السوداني ليست وليدة اليوم، بل هي علاقات أزلية راسخة، قوية بقوة ما اختزنته الذاكرة الوطنية عبر القرون. وأضاف أن استهداف هذه الذاكرة لا يعني مجرد طمس لوحة أو إزالة تمثال بل هو محاولة لقطع الجسر الذي يربط الحاضر بالماضي
وتابع: “حين تُستهدف الذاكرة الوطنية، فإن الخطر لا يصيب حجراً ولا مبنى، بل يصيب الوعي الجمعي الذي يجعلنا أمة واحدة”
وأشار إلى أن المتاحف تقف شاهدة على حضارة السودان، ليست مخازن للأشياء القديمة، بل سجلاً حياً يروي قصة شعب عرف كيف يصهر اختلافاته في بوتقة واحدة. واعتبر أن ما تعرضت له هذه المعالم من اعتداءات يمثل مساساً مباشراً بالهوية، مضيفاً أن “نهب مليشيا الدعم السريع لحضارة السودان لأجل دول العمالة يمثل جريمة في حق الذاكرة الوطنية والتاريخ”
وأعلن بهلول أن المبادرة ستبدأ خطواتها العملية من الولاية الشمالية، حيث ستخلد مدرسة باسم “الفاشر” وفاءً لصمود المدينة ورمزاً لترابط الأقاليم في مواجهة محاولات طمس الذاكرة.
وختم بالتأكيد على أن الحفاظ على هذا الإرث وصون المتاحف وحماية الذاكرة الوطنية مسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل، فبقدر ما نحفظ ماضينا، نصون حق أجيالنا القادمة في أن تعرف من هي، ولماذا هي واحدة رغم المسافات.