في تقديري الخاص أن حيثيات الحكم علي الزميلة رشان أوشي وفقا لقانون جرائم المعلوماتية ، بالسجن لمدة عام وغرامة مالية (عشرة) ملايين جنيه مع التنفيذ الفوري ، علي خلفية بلاغ المقدم شرطة معاش عبد المطلب محمد أحمد ، نائب مدير شرطة الجوازات السابق بسفارة السودان بالقاهرة ، ليست قضية رشان لوحدها ، فقد أشعل هذا الحكم جذوة البحث عن الحقوق الضائعة وما خلف اللغة من عبارات مستتخدمة لاسيما بشأن الكشف عن جرائم الفساد ، كما دفعت الصحافيين للبحث عن قانون الصحافة المسطو عليه بسبب غياب أصحاب المهنة ..!.
علي كل سبق أن تناقشنا في رابطة صحفيي وإعلاميي كردفان ودارفور مع نائب رئيس إتحاد الصحافيين السودانيين الأستاذ محمد الفاتح أحمد في بورتسودان وقتها عن ضرورة التدريب والتأهيل وتحديد من هو الصحفي وتحدثنا كثيرا حول هذا القانون (جرائم المعلوماتية) الذي نحسبه سيكون خصما علي مهنة الصحافة والتي لها قانون منظم ومطلوبات فنية للإنتماء للمهنة ، في وقت أصبح فيه كل ناشط يمتك جهاز موبايل حديث صحفيا ، وزاد الذكاء الإصطناعي الأمر تعقيدا ..!.
وبالطبع للصحافة مؤسسات يجب عليها أن تدافع عنها وتسهم في تطويرها وترقية أدائها ، واقترحنا أن يجمع نائب الرئيس ثلة من زملاء المهنة لمناقشة ذلك مع المسؤولين قبل صدور القانون مع العلم بأن كل الصحفيين لجأوا للوسائط الإلكترونية ويرفدونها بإنتاجهم بسبب توقف اصداراتهم الصحفية ومآلات الاوضاع في البلاد ولكثيرهم أو لجلهم منصات إلكترونية ..!.
مع الأسف الشديد بسبب الغياب وتشتت الصحفيين بين الإتحاد والنقابة والروابط وغيرها من الأجسام الموازية ، وربما بسبب مشغلويات المسؤولين في الإتحاد ايضا بأنفسهم وخاصياتهم ، جاء التغول علي تلكم الحقوق، وبالتالي وصل لدرجة تغول المعلوماتية علي حقوقنا ونحن أصحاب مهنة حقيقية مثل الأطباء والمحاميين وغيرهم من المهن التي تتطلب الإحترافية ، ويفترض لا ينتمي إليها من لا يملك البطاقة القانونية المنظمة والتي تؤكد هوية حاملها صحفيا محترفا ..!.
بكل أسف طرب بعض الزملاء ورقصوا (عشرة بلدي ..!) لهذا الحكم ربما لخلافات شخصية مع رشان أو لتقاطعات مصالح ذاتية وربما لشيئ في نفس يعقوب ..!، وبالطبع لا حجر علي الرأي والرأي الآخر، كل يمكنه ممارسة حقه كاملا وفقا للقانون المنظم للمهنة ، فإختلاف الرأي لا يفسد للود قضية ..!، غير أن الخطوة أعادت إلى الواجهة الجدل الذي لايزال يراوح مكانه بشأنه حرية الصحافة وحدود المسؤولية القانونية في العمل الصحفي ، في ظل وجود قانون الصحافة والمطبوعات باعتباره المرجعية القانونية المنظم للمهنة ، ولكن الواقع فرض اللجوء إلى قانون جرائم المعلوماتية في التعامل مع قضايا النشر الصحفي ..!.
علي العموم يقولون علينا (السلطة الرابعة ..!) ونحن أقربهم للمتسلط عليه (المواطن) ولكننا لم نجد هذه السلطة واقعا بسبب التقاطعات وتغول أصحاب السلطات (الثلاثة) والتي تعمل بقدرما علي إخفاء أو حجب ذات المعلومات التي تسعي الصحافة لكشفها (مهنة البحث عن المتاعب ..!) ، حيث نعمل في بيئة معقدة ومحفوفة بالمخاطر، ونواجه تحديات مهنية متزايدة ،ولكننا مطالبين بالكشف عن هذه الحقائق للرأي العام من واقع مسؤولية أخلاقية ، وكشف الخلل وأوجه القصور، ومواطن الفساد وفقا لممارسة دورنا الرقابي الذي يسهم بدوره في تعزيز الشفافية والمساءلة القانونية ، ولكن بالطبع ليس التعدي علي حقوق الآخرين.
علي كل توافقت خلاصات نقاشات مختصة قانونية وأعلامية وسياسية أن محاكمة الزميلة رشان ليست حالة فردية أو معزولة ولا تخصُّها اوحدها، بل درسا مهنيا وقانونيا ، وجرس إنذارٍ حقيقي لكل العاملين في الحقل الصحفي ، وخاصة في ملفات الفساد والتحقيقات الحسَّاسة ؛ ولكنها شددت علي ضرورة إستخدام اللغة والعبارات المناسبة مع أقصى درجات اليقظة والانضباط ، ويجب في مثل هذه القضايا إستنفار أهل المهنة وأهل القضاء والقانون ليس لسحب الحقوق بل تعزيزا وتثبتا لها ، وبالطبع كان يمكن تصحيح بعض هذه المعلومات قبل المحاكمة بشيئ من الهدوء ولكن لاتزال الفرصة من حيث درجات ومحطات التفاضي متاحة بالنظر للدعوى والمحاكمة مكانا وزمانا ..!.
بلا شك فإن مهنتنا (أي مهنة الصحافة) تمر بمنعطف خطير يتطلب منا الالتزام بالمعايير والقواعد المهنية الصارمة من دقة وحيادية المصادر والموضوعية ، والتحقق من صحة المعلومات قبل نشرها وتلك من أخلاقيات العمل الصحفي ، وتظل المسؤولية المهنية والأخلاقية جزء أصيلا من العمل الصحفي بما يضمن الالتزام بالمعايير المهنية والضوابط القانونية ، وبالتالي من الضروري أن تكون هناك آليات واضحة لتقديم المساندة القانونية عند مواجهة الصحفيين لإجراءات قانونية مرتبطة بعملهم المهني .
الرادار .. الخميس 21 مايو 2026 .