كسلا بين حافة الانهيار وفرصة التاريخ: هل يحوّل الصادق الأزرق الأزمة إلى مشروع إنقاذ؟ بقلم / فخري فركاوي 

0 22

 

في لحظة تاريخية يتقاطع فيها الانهيار مع فرص التشكل الجديد، تبرز تجربة والي ولاية كسلا المكلف الواء م الصادق الأزرق كواحدة من أكثر التجارب إثارة للانتباه في المشهد السوداني. فالرجل لم يتسلم ولاية عادية، بل وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية وأمنية واقتصادية، حيث تتحول الولايات من وحدات إدارية إلى خطوط دفاع أولى عن بقاء الدولة.

هنا، لا يُقاس النجاح بما يُنجز فقط، بل بما يتم منعه من الانهيار.

حين تصبح الإدارة معركة بقاء

منذ اللحظة الأولى، لم يكن أمام والي كسلا رفاهية التخطيط طويل المدى، بل فرضت عليه المرحلة منطقاً مختلفاً: إدارة الأزمة قبل صناعة التنمية. وبين تراجع الموارد، وضغط النزوح، وتعقيدات المشهد الأمني، كان التحدي الحقيقي هو الحفاظ على تماسك الولاية.

وقد نجح إلى حدٍ معتبر في تثبيت معادلة الاستقرار، وهي المعادلة الأصعب في بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة.

الأمن أولاً… لأن البديل هو الفوضى

أدار الوالي الملف الأمني بعقلية واقعية، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة فقط، بل يُبنى عبر شبكة معقدة من التفاهمات المجتمعية والتنسيق المؤسسي. فالتقارب مع الإدارة الأهلية، وتفعيل دور المجتمع، أسهما في تقليل الاحتكاكات ومنع تمدد الصراع.

وفي زمن الفوضى، يصبح الحفاظ على الهدوء إنجازاً لا يقل أهمية عن أي مشروع تنموي.

كسلا تحت ضغط النزوح… اختبار القدرة على الصمود

لم تكن كسلا بعيدة عن تداعيات الحرب، بل تحولت إلى ملاذ لآلاف النازحين، ما وضع الخدمات الأساسية تحت ضغط غير مسبوق. ورغم ذلك، سعت حكومة الولاية إلى إدارة الأزمة الإنسانية بأدوات محدودة، عبر التنسيق مع المنظمات ومحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الخدمي.

إنها معادلة صعبة: موارد قليلة، واحتياجات تتضاعف.

المجتمع شريك في الحكم… لا مجرد متلقٍ

أحد أسرار صمود كسلا كان في اعتماد الوالي على المجتمع كجزء من منظومة الحكم، لا كمتلقٍ للخدمات فقط. فالتواصل مع القيادات الأهلية، واحتواء التوترات عبر الحوار، شكّلا صمام أمان حقيقياً في مرحلة حساسة.

هذا النموذج يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الإدارة في البيئات المعقدة، حيث لا تكفي القرارات الرسمية وحدها لضبط المشهد.

ملامح تنمية تتشكل بهدوء

ورغم أن المرحلة فرضت أولوية إدارة الأزمات، إلا أن بعض المؤشرات التنموية بدأت تلوح في الأفق، خاصة في مجالي تحسين الطرق والبيئة العامة. فقد شهدت الولاية جهوداً في:

صيانة وتأهيل عدد من الطرق داخل المدينة والمحليات

تحسين المظهر العام ومعالجة بعض مشكلات النظافة والبيئة

ورغم بساطة هذه الخطوات، إلا أنها تحمل دلالات مهمة؛ فهي تشير إلى بداية انتقال تدريجي من إدارة الأزمة إلى التفكير في التنمية، لأن البنية التحتية والخدمات البيئية تمثل الأساس لأي مشروع تنموي أكبر.

إنها رسائل صغيرة في ظاهرها، لكنها قد تكون نواة لتحولات أكبر إذا ما تم البناء عليها بشكل صحيح.

التنمية المؤجلة… أم الفرصة القادمة؟

ورغم كل ما سبق، يبقى السؤال الكبير:

أين التنمية الشاملة؟

الحقيقة أن غياب المشاريع الكبرى لا يعكس بالضرورة ضعفاً في الإدارة، بل يعكس واقعاً وطنياً مأزوماً جعل الأولوية للبقاء لا للبناء. لكن هذه المؤشرات الأولية في الطرق والبيئة تعطي أملاً بأن المرحلة القادمة قد تشهد انتقالاً تدريجياً نحو مشاريع أكثر تأثيراً.

رسائل حاسمة إلى والي كسلا: الطريق إلى التحول الحقيقي

إذا كانت المرحلة الماضية قد نجحت في تثبيت الأرض، فإن المرحلة القادمة يجب أن تصنع الفارق:

الرسالة الاولي من إدارة الأزمة إلى صناعة الرؤية

إطلاق خطة استراتيجية واضحة للولاية بجدول زمني محدد.

الرسالة الثانيه تحويل الاستقرار إلى تنمية ملموسة

البناء على ما تحقق في الطرق والبيئة، وتوسيعه ليشمل:

مشاريع البنية التحتية

الخدمات الأساسية

الرسالة الثالثه مشروع واحد يغيّر المعادلة

التركيز على مشروع تنموي كبير يكون علامة فارقة. مياه، كهرباء، زراعة ، صناعة

الرسالة الرابعه كسب معركة الإعلام

تسويق هذه الإنجازات وإظهار أثرها للمواطنين.

الرسالة الخامسه الاستثمار في الشباب

تحويلهم إلى قوة إنتاج حقيقية في مشاريع التنمية.

بين الصمود وبداية التحول

لقد نجح الصادق الأزرق في عبور مرحلة بالغة الخطورة دون أن تنزلق كسلا إلى الفوضى، وبدأت تظهر ملامح أولية لتحسينات خدمية وتنموية، خاصة في الطرق والبيئة، وهي خطوات تمثل قاعدة يمكن البناء عليها.

لكن التحدي الحقيقي لم يعد في الصمود، بل في تحويل هذه البدايات إلى مشروع تنموي متكامل يغيّر وجه الولاية.

فالتاريخ لا يذكر من أدار الأزمات فقط، بل من استطاع أن يحوّلها إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.