جلود الأضاحي.. لماذا نهدر النعمة بأيدينا؟….. بقلم: فخري فركاوي
في كل عام، ومع إشراقة عيد الأضحى المبارك، تمتلئ البيوت بالفرح، وتتعالى تكبيرات العيد في المساجد والأحياء، ويحرص الناس على إحياء هذه الشعيرة العظيمة التي تحمل معاني الطاعة والتقرب إلى الله والتكافل بين الناس. يذبح المواطن أضحيته، ويوزع منها على الأهل والفقراء والجيران، في مشهد يفيض بالخير والمحبة.
لكن، وبعد ساعات قليلة فقط من انتهاء الذبح، يتغير المشهد بصورة مؤلمة؛ أكوام من مخلفات الذبائح تُلقى في الطرقات، وجلود تُرمى على قارعة الشوارع، ومصارف مياه تُسد بالأحشاء والفضلات، وروائح خانقة تنتشر في الأحياء، بينما يجد الذباب والبعوض بيئة مثالية للتكاثر. وكأننا، للأسف، نحول نعمة العيد بأيدينا إلى أزمة بيئية تتكرر كل عام دون أن نتعلم من أخطاء الماضي.
المؤلم في الأمر أن هذه الجلود التي تُرمى أو تُحرق ليست مجرد مخلفات عديمة القيمة، بل هي مورد اقتصادي حقيقي لو أحسنّا استغلاله. فالعالم اليوم ينظر إلى الجلود باعتبارها مادة خام تدخل في صناعات ضخمة؛ من الأحذية والحقائب إلى الأثاث والمنتجات الجلدية الفاخرة. دول كثيرة استطاعت أن تبني اقتصادًا متكاملًا حول هذه الصناعة، بينما ما زلنا نحن نتعامل معها وكأنها عبء يجب التخلص منه بأسرع طريقة ممكنة.
في دول مثل تركيا والمغرب وإثيوبيا، تتحول مواسم الأضاحي إلى فرصة اقتصادية وتنموية. هناك حملات منظمة لجمع الجلود، تشارك فيها البلديات، والجمعيات، والشباب، وحتى طلاب المدارس والجامعات. تُجمع الجلود بعناية، ثم تُرسل إلى المدابغ والمصانع لتتحول إلى منتجات تحمل قيمة مضافة، وتوفر وظائف وعائدات مالية. بعض تلك الدول جعلت من جلود الأضاحي موردًا لدعم الأعمال الخيرية والمشروعات المجتمعية.
أما عندنا، فالمحليات رغم جهودها تعاني من ضعف الإمكانيات وقلة المعدات، فتجد نفسها مضطرة في كثير من الأحيان إلى حرق الجلود أو التخلص منها بطرق بدائية لا تخدم البيئة ولا الاقتصاد. وهنا يبرز السؤال المهم: لماذا لا يتحول المجتمع نفسه إلى جزء من الحل؟
الأمر لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى تنظيم وإرادة ووعي. يمكن للجان الأحياء والأندية والشباب أن يقودوا مبادرات بسيطة وفعالة لجمع الجلود بصورة منظمة. ويمكن التنسيق مع رجال الأعمال والمؤسسات الوطنية لتوفير وسائل النقل والتخزين، ثم بيع الجلود للمصانع أو المدابغ بدلًا من تركها عرضة للحرق أو التعفن. كما يمكن تخصيص نقاط واضحة داخل الأحياء لتجميع الجلود ومخلفات الذبح بطريقة صحية تحفظ نظافة البيئة وتقلل من التلوث.
حتى المواطن البسيط يستطيع أن يكون جزءًا من الحل؛ بأن يضع المخلفات في الأماكن المخصصة، وألا يرميها في الشوارع أو المصارف، وأن يتعاون مع فرق النظافة والمتطوعين. فالحفاظ على البيئة ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو مسؤولية أخلاقية وسلوك حضاري يعكس وعي المجتمع واحترامه للنعم التي أنعم الله بها عليه.
إن الأمم الناجحة لا تهدر مواردها، بل تحسن استغلالها وتحولها إلى فرص. وما نراه اليوم نفايات متناثرة في الطرقات، يمكن أن يصبح غدًا مصدر دخل وفرص عمل وصناعة وطنية حقيقية إذا أحسنّا التفكير والتخطيط.
فالجلود ليست عبئًا… بل ثروة تمشي بين أيدينا، لكننا لم نتعلم بعد كيف نحافظ على النعمة قبل أن تتحول إلى نقمة.