التهديدات للصحفيين : بين حجب الحقيقة وإخماد الأصوات

ضل الحراز / بقلم : علي منصور حسب الله

0 8

في أي دولة يسعى فيها المسؤولون إلى إغلاق الأفواه وتكميم الأقلام ويعتبرون التهديدات وسيلة للتعامل مع النقد فإن ذلك يعني أن البلد قد وقع في مأزقٍ عميقٍ من القمع الفكري يصبح الخوف هو السائد وتُغتال الحقيقة بدلاً من أن تُحترم في السودان نواجه اليوم واقعاً مريراً يتفاقم فيه تهديد الصحفيين بسبب محاولاتهم العادلة في نقد الواقع السياسي والاجتماعي والخدمي إذا كان كل مسؤول في هذه الدولة يرد على كل نقد من صحفي عبر التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور فإن ذلك يصبح أمرًا خطيرًا جدًا بل يشكل تهديدًا حقيقيًا للحرية الصحفية ولحرية التعبير بشكل عام لنعد إلى ما حدث مؤخرًا مع أستاذنا محمد عثمان الرضي وأستاذنا عبد الماجد عبد الحميد فقد تم تهديد الأول بينما وصل التهديد للثاني إلى حد السحل أم الزميلة رشان اوشي فقد بلغت البلاغات المرفوعة ضدها لعدد فلكي ومعظمها لم تصل الى القضاء العادل ما يعكس عمق الأزمة التي يعانيها الصحفيون في بلادنا وإذا كانت هذه التهديدات تُمثل مستوىً خطيرًا من العنف الرمزي فإنها تشير إلى أن هناك من لا يريد أن تنكشف الحقائق والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو الفرق بين من يهدد الصحفيين وبين من اغتال الزميل الحسن فضل المولى في مدينة النهود أوإغتيال الزميل صلاح حسن أحمد (صلاح اب سريج) في أم صميمة؟ وكلاهما قتلا برصاص المليشيا هل التهديد بالقتل يختلف عن القتل الفعلي؟ أليس التهديد الذي تروج له بعض الجهات أخطر من رصاصة تقتل شخصًا واحدًا؟ إننا نواجه قوى تقتات على إغلاق أبواب الحقيقة وتعمل جاهدًا على الإبقاء على الصحفيين في حالة من الخوف والتردد هذه القوى تهدف إلى أن يصبح الصوت الوحيد المسموع هو صوتهم فقط في الوقت الذي تبقى فيه أصوات الشجعان الذين يعرضون الحقائق بعيدًا عن التهديدات والمساومات في مخاطر داهمة
التهديدات والقتل ضد الصحفيين في السودان ليست أمرًا جديدًا بل هي جزء من تاريخ طويل من القمع السياسي في البلاد فالصحفي محمد مكي محمد المعروف بـ مكي الناس تم اختطافه من أمام فندق فدرال في العاصمة اللبنانية بيروت وتم نقله إلى السودان قسراً حيث قُتل في ديسمبر 1969 وراح دمه هدراً وحتى في أوقات كانت فيها الحريات العامة مُصانة بعض الشئ كان الصحفيون عرضةً للتهديد والاعتقال والتنكيل والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هو الفرق بين عقلية المليشيا وعقلية هؤلاء؟ فمليشيا الدعم السريع أودت بحياة العديد من الصحفيين الذين دفعوا ثمن مواقفهم من أجل حماية القيم الإنسانية والدفاع عن وطنهم وكشف انتهاكات هذه المليشيا ففي مدينة الفاشر وحدها قدّم الصحفيون مجموعة من الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمناً لحرية التعبير مثل النور سليمان النور ومبارك موسى أبو سن وأحمد محمد صالح سيدنا وخالد بلل وتاج السر أحمد سليمان
وقد دفع الصحفيون في الخرطوم وفي مختلف أرجاء السودان أثمانًا غالية خلال هذه الحرب وفي فترات ماضية حتى أصبحت دماؤهم جزءاً من الذاكرة الحية لهذا الشعب اليوم لا يزال عدد كبير من الصحافيين يقبعون في سجون مليشيا الدعم السريع بسبب ممارسة حقهم الطبيعي في التعبير عن الرأي وممارسة مهنتهم وهذا يعكس ممارسات مليشيا مغتصبة تُمارس القمع ضد الصحافة وتُعتقل الصحفيين الذين يجرؤون على نقل الحقائق إلى المواطن السوداني والعالم أجمع
وهنا ينبع التحدي ليس للصحفيين فقط بل لجميع المواطنين
ولا يقتصر الأمر على الصحفيين الذين يتعرضون للتهديد والاعتقال فحسب إنما هو تحدٍّ لجميع المواطنين الذين يتطلعون إلى حياة حرة وكريمة في وطنهم الهجوم على الصحفيين ليس هجومًا على شخصيات فردية بل هو هجوم على الحق في المعرفة و الحق في حرية الرأي والتعبير وهو الأساس الذي تقوم عليه أي نظام حكم رشيد وإذا كانت الصحافة قد دخلت في معركة ضد القوى الاستبدادية التي تستخدم التهديد والملاحقة كسلاح مثل مليشيا الدعم السريع فإن الشعب السوداني هو أيضًا شريك أساسي في هذا النضال لكن أليس من العيب بأن يكون ضمن طاقم الحكومة الشرعية من يهدد الصحفيين بالويل والثبور وعظائم الأمور
لكن يجب أن نفهم أنه لا يمكن تهديد الصحافة أو إخضاعها بهذه الأساليب القمعية لأن الصحافة هي السلطة الرابعة التي لا يمكن لأي مسؤول أن يتصور استمرار نظامه من دونها من يهدد الصحافة يحاول إخفاء شيء ما بالضرورة إنه يخشى أن تظهر الحقيقة في العلن ويخشى أن يكشف الصحفيون الزيف الذي يبني عليه أداءه
لكن الإخفاء لا يغطي العيوب والتهديدات الموجهة ضد الصحفيين ليست مجرد أداة للترهيب بل هي محاولة لطمس الواقع و تشويه الحقائق هذه الممارسات تُظهر حجم الارتباك الذي يعاني منه النظام وتكشف عن هشاشة تفكيره وضعف مردوده وبدلاً من أن يتعامل مع النقد بشكل منطقي وموضوعي ويعمل على معالجة تلك السلبيات يختار التهديد والوعيد كحل ليبقى السيف هو اللغة الوحيدة المتاحة بينما يظل عاجزًا عن تقديم إجابات مقنعة للشعب لكن الحقيقة تظل قائمة والذاكرة الصحفية لا تُمحى إذا كان المسؤول يظن أنه يمكنه الضغط على الصحفيين من خلال التهديدات فهو مخطئ تمامًا فإصرار الصحفيين على فضح الفساد و الفشل الإداري هو الطريق الوحيد الذي يُفضي إلى الحقيقة
إذا كانت التهديدات لن توقف الصحفيين من القيام بواجبهم في مناطق الحرب فمن الاولى إدراك بأنهم لن يتوقفون عن أداء عملهم في الولايات الآمنة فقد دفع الصحفيون دماءهم مثل الشهيد الحسن فضل المولى والشهيد صلاح ابسريج في كردفان وشهداء الفاشر و الجزيرة و الخرطوم وهذه التضحيات ستظل شموعًا تضيء درب الصحافة الحرة في السودان إن التهديدات التي يُوجهها بعض المسؤولين ضد الصحفيين في السودان تُعتبر مؤشرًا على ضعف الأداء والتخبط وعجزهم عن التعامل مع الحقيقة الصحافة الحرة هي المعركة الحقيقية من أجل الحرية و العدالة ولا يمكن لأي تهديد أو قمع أن يقضي على الإرادة الحرة للمواطن السوداني
إن الصحفيين في السودان أثبتوا في أكثر من مناسبة أنهم لا يخافون من السلاح وأنهم مستعدون للدفاع عن الحقيقة مهما كان الثمن لن يتوقف النضال الصحفي إلا عندما يُسمح بحرية التعبير و يُحترم الحق في النقد وتُحترم ذاكرة الشهداء الذين دفعوا دماءهم من أجل الوطن ورسالتي إلى أولئك الذين يهددون الصحفيينونقول
التهديدات لن تخيفنا ولن تُسكتنا ودماء شهدائنا لن تُنسى سنظل نقف معًا من أجل السودان الحر من أجل الحقيقة ومن أجل الصحافة الحرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.