ديمقراطية من ورق .. الإمارات بين قمع الداخل وتضليل الخارج (٤)
ضل الحراز / بقلم : علي منصور حسب الله
بينما تُسوّق دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها في المحافل الدولية على أنها نموذج (التسامح والانفتاح) و(الشريك في ترسيخ الديمقراطية والاستقرار) في المنطقة تكشف الوقائع الميدانية وتقارير المنظمات الحقوقية والهيئات الأممية عن وجهٍ آخر مظلمٍ ومليءٍ بالانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان وبتناقضٍ فادحٍ بين خطابها المعلن وممارساتها الواقعية في الداخل تحكم الإمارات مواطنيها والمقيمين فيها بقبضةٍ أمنيةٍ صارمة تُخمد كل صوتٍ حرّ وتُحاصر كل رأيٍ ناقد وفي الخارج تُمارس سياسة تضليل وتدخّل عدواني تحت شعارات براقة ك(دعم الانتقال الديمقراطي) و(حماية الاستقرار) بينما هي في الواقع تغذي الصراعات وتموّل المليشيات وتعمّق الانقسامات، كما هو الحال في السودان حيث تدعم تحت غطاء (الديمقراطية الزائفة) مليشيا ارتكبت جرائم مروعة منذ دارفور عام 2003 وحتى حرب 15 أبريل 2023 في إطار سياسة ممنهجة لتفكيك الدولة السودانية وإشاعة الفوضى ونهب ثروات البلاد وسط صمتٍ دوليٍّ متواطئ تصف تقارير المنظمات الدولية حالة حقوق الإنسان في الإمارات بأنها (متدهورة للغاية) إذ لا وجود لأحزاب سياسية أو مؤسسات ديمقراطية حقيقية ولا يملك المواطنون الحق في تكوين جمعيات مستقلة أو المشاركة في الشأن العام بحرية بل إن من يطالب بالإصلاح أو يعبر عن رأيه يُزجّ به في السجن بتهمٍ فضفاضة تتعلق بـ(الإرهاب) أو (إهانة الدولة) وثّقت منظمات كـالمركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان (مقره جنيف) وهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والمقررين الأمميين المعنيين بحقوق الإنسان سلسلة طويلة من الانتهاكات شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والحرمان من المحاكمات العادلة في تقريرٍ للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في أغسطس 2015 أشار إلى المضايقات التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان في الإمارات مؤكدًا أن الدولة تستخدم القضاء كأداةٍ للقمع السياسي ففي تقريرها السنوي لعام 2016 أكدت منظمة العفو الدولية أن المعتقلين في الإمارات يتعرضون لمختلف أشكال التعذيب والمعاملة القاسية وثّقت المنظمة حالات عديدة منها تعرّض 10 مواطنين ليبيين للضرب والصعق الكهربائي والحرمان من النوم على مدى عشرة أشهر من الاحتجاز دون محاكمة أما منظمة هيومن رايتس ووتش فقد وثّقت بدورها احتجاز رجل الأعمال البريطاني ديفيد هايغ لعامين دون تهمة حيث تعرّض للتعذيب بالصدمات الكهربائية لإجباره على الاعتراف بتهمٍ ملفقة بالتزوير كذلك أكد المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان أن استمرار احتجاز 61 معتقلاً في قضية (الإمارات 94) يمثل شكلًا من أشكال الاعتقال التعسفي مشيرًا إلى أن اعترافاتهم انتُزعت تحت التعذيب وفي أكتوبر 2017 وثّقت منظمة العفو الدولية تعرض الناشط الحقوقي أحمد منصور عضو مجلس إدارة مركز الخليج لحقوق الإنسان وعضو اللجنة الاستشارية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش للتعذيب والتهديد بالقتل بعد اعتقاله في مارس 2017 بسبب منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي كما أشارت تقارير المنظمة إلى تعرض مواطنين قطريين وليبيين للاختفاء القسري في الإمارات إلى جانب طرد الناشط والمدون الفلسطيني إياد البغدادي عام 2014 بعد احتجازه وسجنه دون محاكمة رغم إقامته الطويلة في البلاد وفي ديسمبر 2020 حذر مركز الخليج لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش من تدهور الحالة الصحية لأحمد منصور بعد وضعه في حبسٍ انفراديٍّ دائم في سجن الصدر سئ السمعة بأبو ظبي وحرمانه من أبسط مقومات الحياة
وفي أكتوبر 2020 نظمت أكثر من 20 منظمة حقوقية حملة موازية لمعرض (إكسبو دبي) عبر الإنترنت لتعرية ما سمّته (التسامح الزائف) داعية إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين ومنهم محمد الركن ومحمد المنصوري ومحمد عبد الرزاق الصديق ومن بين الحالات البارزة في انتهاكات حقوق الإنسان في الامارات نذكر كذلك
رايان كورنيليوس رجل الأعمال البريطاني الذي اعتُقل عام 2008 وتعرّض للتعذيب والحبس الانفرادي وحُكم عليه لاحقًا بالسجن 20 عامًا إضافية قبل موعد الإفراج عنه بشهرين وأمينة العبدولي المعتقلة منذ 2015 والتي عانت من التعذيب النفسي والجسدي والحرمان من النوم والدواء رغم انتهاء مدة عقوبتها وينص قانون الجنسية الإماراتي على حرمان أبناء الأمهات المواطنات من الجنسية أسوةً بأبناء الرجال الإماراتيين ويمنع المجنسين من حق الترشح أو الانتخاب كما لا توجد أحزاب سياسية والمجلس الوطني الاتحادي يُعيَّن نصفه بقرارٍ حكومي بينما يُنتخب النصف الآخر عبر لجانٍ محدودة العدد وتشير التقارير الدولية إلى أن أكثر من 80% من سكان الإمارات من العمالة الوافدة يعيش كثير منهم في ظروف غير إنسانية في عام 2006 ذكرت القنصلية الهندية في دبي أن 109 عمال هنود انتحروا بسبب تأخر الرواتب وسوء المعاملة وفي عام 2017، وصف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان نظام الكفالة في الإمارات بأنه شكل من أشكال (العبودية الحديثة) وفي أكتوبر 2022، رحّلت الإمارات آلاف العمال الأوغنديين قسرًا في خطوة اعتبرتها منظمات حقوقية (تمييزًا عنصريًا) حتى في عام 2023 بينما استضافت الإمارات مؤتمر المناخ COP28 كشفت منظمة FairSquare أن العمال الأفارقة والآسيويين الذين بنوا مرافق المؤتمر عملوا في درجات حرارة تجاوزت 42 مئوية رغم (حظر العمل في منتصف النهار) وينص الدستور الإماراتي على حرية التعبير لكن التطبيق العملي يُظهر العكس تمامًا حيث تفرض السلطات رقابة مشددة على الإعلام والمحتوى الإلكتروني يتم حجب المواقع ومعاقبة الصحفيين والمدونين على آرائهم بينما يمارس الإعلام الرقابة الذاتية خوفًا من العقاب ومن الأمثلة الحديثة اعتقال المؤثر الإماراتي حمدان الرند عام 2023 بسبب فيديو ساخر على (تيك توك) واحتجاز المؤثرة الأمريكية تييرا يونغ ألين بسبب (الصراخ) في وكالة تأجير سيارات بدبي وتعديل مدونة السلوك للمعلمين لحظر مناقشة (الهوية الجندرية) حتى في المدارس الأجنبية ما يعكس تصاعد القمع الأخلاقي والثقافي أدارت الإمارات سجونًا سرية في اليمن مارست فيها الإخفاء القسري والتعذيب وهي أفعال ترقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي كما وثّقت منظمات حقوقية سوء معاملة سجناء أُرسلوا إليها من غوانتنامو إضافة إلى تعذيب مدرب كرة القدم البريطاني بيلي هود الذي حُكم عليه بالسجن 10 سنوات بسبب (زيت CBD vape) وتعرض للضرب خلال زيارة الأمير وليام لدبي عام 2022 فبينما تروّج الإمارات لنفسها كدولة تسامحٍ وديمقراطيةٍ حديثة يزداد سجلها الداخلي قتامةً عامًا بعد عام، وتستمر في توظيف (الدبلوماسية الناعمة) لتلميع صورتها خارجيًا بينما تمارس في الخفاء أشد أشكال القمع داخليًا وتغذي النزاعات في الخارج لتحقيق مصالحها الجيوسياسية وفي السودان تتجلّى هذه الازدواجية بأوضح صورها فبينما تزعم دعمها (للحكم المدني) و(الكرامة الوطنية) تموّل وتسلّح مليشيات الدعم السريع التي تورطت في التهجير القسري والاغتصاب الجماعي والنهب الممنهج منذ أزمة دارفور في 2003 وحتى اليوم لتعيد إنتاج الفوضى بوصفها (استثمارًا استراتيجيًا) يضمن لها النفوذ والموارد في ظل صمتٍ دوليٍ مريبٍ ومتواطئ
آخر الضل
#الدعم السريع منظمة إرهابية
#الامارات دولة راعية للإرهاب