ما بعد الشهادة السودانية… بين فراغٍ مقلق وفرصةٍ لصناعة المستقبل بقلم: فخري فركاوي
مع إسدال الستار على امتحانات الشهادة السودانية، يدخل آلاف الطلاب مرحلة جديدة لا تقل أهمية عن التي سبقتها. إنها مرحلة الانتظار؛ انتظار النتيجة وتحديد المسار الجامعي، لكنها في حقيقتها لحظة فارقة بين طريقين: طريق يُستثمر فيه الوقت لبناء الذات، وطريق يُترك فيه الفراغ ليفعل ما يشاء.
الفراغ، في مثل هذه الفترات، ليس مجرد وقت بلا عمل، بل هو بيئة خصبة لكل ما هو سلبي إذا لم يُدار بوعي. وفي ظل التحديات التي يشهدها السودان، من ضغوط اجتماعية واقتصادية وانتشار بعض الظواهر الخطرة، يصبح من الضروري التعامل مع هذه المرحلة باعتبارها مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع والدولة.
إلى أبنائنا الطلاب، نقول: لقد أنهيتم مرحلة مهمة بجهد وصبر، لكن ما بعد الامتحان لا يقل أهمية عنه. هذه الفترة ليست إجازة من الحياة، بل فرصة نادرة لإعادة اكتشاف أنفسكم. تعلموا مهارة جديدة، انخرطوا في عمل تطوعي، شاركوا في أنشطة مجتمعية، اقتربوا من الواقع الذي ستعيشون فيه غدًا. لا تجعلوا الانتظار حالة سكون، بل اجعلوه مرحلة بناء هادئة وذكية.
وإلى الآباء والأمهات: إن أبناءكم اليوم في أمسّ الحاجة إلى التوجيه لا إلى الضغط، وإلى الاحتواء لا إلى التوبيخ. راقبوا دون تضييق، ووجّهوا دون فرض، وافتحوا أمامهم أبوابًا آمنة لاستثمار وقتهم. ادعموا مشاركتهم في الدورات التدريبية، والأنشطة الرياضية، والمبادرات المجتمعية، فذلك هو الحصن الحقيقي الذي يحميهم من الانجراف نحو مسارات خطرة.
أما الدولة، فالمسؤولية هنا أكبر من مجرد إعلان النتائج في موعدها. المطلوب هو تبني برامج وطنية مؤقتة تستوعب طاقات الشباب خلال هذه الفترة، عبر مراكز تدريب، وبرامج خدمة مجتمعية، وأنشطة ثقافية ورياضية منظمة. إن الاستثمار في هذه المرحلة القصيرة قد يقي المجتمع من خسائر طويلة المدى.
إننا لا نبالغ حين نقول إن أخطر ما يواجه الشباب في هذه الفترة هو غياب المعنى، لا غياب الوقت. وحين يغيب الهدف، يصبح أي طريق مفتوحًا، حتى وإن كان خاطئًا. لذلك فإن واجبنا جميعًا هو أن نملأ هذا الفراغ بما ينفع، وأن نحوّل الانتظار إلى فرصة، لا إلى مخاطرة.
ختامًا، فإن هذه المرحلة يمكن أن تكون بداية حقيقية لنضج أبنائنا، إذا أحسنّا إدارتها، أو قد تتحول إلى فجوة يصعب تجاوز آثارها لاحقًا. والاختيار، في نهاية الأمر، هو مسؤولية مشتركة… تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المجتمع، وتنتهي عند الدولة.