تصدّع البنية الصلبة… ماذا تعني انشقاقات قادة الدعم السريع وانضمامهم إلى الجيش السوداني؟ بقلم: د. طاهر موسى الحسن

0 4

 

 

 

في الحروب غير المتكافئة، لا تُقاس موازين القوة بعدد الجنود أو العتاد فقط، بل بمدى تماسك البنية الداخلية لكل طرف. وما تشهده مليشيا الدعم السريع في الآونة الأخيرة من انشقاقات متزايدة، وانضمام بعض قادتها الميدانيين إلى صفوف القوات المسلحة السودانية، يمثل تطوراً نوعياً يتجاوز كونه حدثاً تكتيكياً عابراً، ليعكس تحولاً استراتيجياً في مسار الصراع نفسه.

التقارير المتداولة في عدد من المنصات الإخبارية الإقليمية، إلى جانب إفادات مصادر عسكرية سودانية، تشير إلى أن هذه الانشقاقات لم تعد حالات فردية معزولة، بل بدأت تأخذ طابعاً تراكميًا، خاصة في ظل الضغوط الميدانية المتصاعدة التي تواجهها المليشيا في عدة محاور. وقد أوردت تحليلات في مؤسسات بحثية معنية بالنزاعات، مثل تقارير مجموعة الأزمات الدولية أن الجماعات المسلحة غير النظامية التي تقوم على الولاءات الشخصية والاقتصاد الريعي تكون أكثر عرضة للتفكك عند تعرضها لضربات متتالية أو عند تراجع قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه عناصرها.

في هذا السياق، يمكن قراءة انضمام بعض القادة إلى الجيش بوصفه مؤشراً على تآكل الثقة داخل صفوف المليشيا. فالقائد الميداني لا يغامر بالانشقاق إلا حين يدرك أن الكلفة المستقبلية للبقاء أصبحت أعلى من كلفة المغادرة. وهذا يرتبط بعدة عوامل، من أبرزها تراجع الإمداد اللوجستي، وتضاؤل الموارد المالية، إلى جانب فقدان الغطاء السياسي والإقليمي الذي كانت تستند إليه المليشيا في مراحل سابقة.

المفارقة اللافتة أن الخطاب الرسمي للمليشيا يحاول التقليل من شأن هذه الانشقاقات، ووصمها بأنها حالات فردية غير مؤثرة. غير أن هذا النوع من الخطاب، في أدبيات الصراعات، غالباً ما يكون مؤشراً عكسياً على حجم القلق الداخلي. فالتاريخ القريب يقدم شواهد عديدة، حيث تبدأ التنظيمات المسلحة بإنكار الانشقاقات، قبل أن تجد نفسها أمام موجات تفكك يصعب احتواؤها. التجربة الليبية بعد 2011، وبعض فصائل المعارضة المسلحة في سوريا، تقدم نماذج واضحة على هذا المسار.

أما على مستوى الدلالة الاستراتيجية، فإن هذه الانشقاقات تحمل ثلاث رسائل رئيسية. أولها أن ميزان المبادرة بدأ يميل تدريجياً لصالح القوات المسلحة، ليس فقط ميدانياً، بل نفسياً ومعنوياً. وثانيها أن مشروع المليشيا، القائم على فرض واقع سياسي بالقوة، يواجه أزمة بنيوية في الاستمرار، خاصة مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية. وثالثها أن البيئة الاجتماعية الحاضنة للمليشيا بدأت تعيد تقييم موقفها، وهو ما ينعكس في تراجع معدلات التجنيد، وازدياد حالات الفرار والانضمام للجيش.

ولا يمكن إغفال البعد الدولي في هذا التحول. فالتقارير الصادرة عن خبراء الأمم المتحدة حول السودان، والتي وثقت انتهاكات جسيمة في مناطق النزاع، أسهمت في تقليص هامش المناورة السياسية للمليشيا، وأضعفت قدرتها على تسويق نفسها كطرف مقبول في أي تسوية مستقبلية. وفي المقابل، عززت هذه التطورات من موقف الدولة السودانية، ممثلة في قواتها المسلحة، باعتبارها الكيان الشرعي المعني بالحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها.

غير أن قراءة هذه الانشقاقات باعتبارها نهاية وشيكة للمليشيا قد تكون قراءة متعجلة. فالتنظيمات المسلحة، حتى في حالات التراجع، قد تلجأ إلى تكتيكات أكثر عنفاً لتعويض خسائرها، وهو ما يستدعي يقظة ميدانية واستراتيجية من جانب القوات المسلحة. كما أن إدارة ملف المنشقين أنفسهم يتطلب مقاربة دقيقة، توازن بين الاستفادة من خبراتهم الميدانية، وضمان عدم تحولهم إلى مصدر اختراق أمني.

في المحصلة، فإن ما يجري داخل مليشيا الدعم السريع ليس مجرد تساقط أفراد، بل هو تصدع في البنية التي قامت عليها. وكلما اتسعت دائرة الانشقاقات، اقتربت لحظة الحسم، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً أيضاً. فالدول لا تُهزم فقط في ميادين القتال، بل تنتصر حين تستعيد احتكارها المشروع للقوة، وتفرض منطق الدولة على منطق المليشيا. وهذا، في جوهره، ما تعكسه هذه التحولات الجارية على الأرض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.