في إحدى مجموعات النقاش على تطبيق واتساب، اندلع جدال محتدم حول النسبة المخصصة للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، والتي قُدّرت بـ25٪ من قسمة السلطة. إنساب الناس في النقاش، من هاج غضبًا، ومن أساء لفظًا، لكن وسط الضجيج برز صوت عقلاني من الزميل هجو، المدير السياسي السابق بإدارة الأخبار في تلفزيون السودان، ليسأل سؤالًا عميقًا: “لماذا ينصبّ كل الهجوم على هذه الـ25٪؟ من استحوذ على الـ75٪ الأخرى من كعكة السلطة البائسة في بلدٍ أنهكته الأزمات والحروب؟”
سؤال صادم وبسيط في آنٍ واحد. فنحن نتجادل حول حصة من نعرف، ونتغاضى عن حصة من لا نعرف. الكل يتحدث عن الحركات، وعن مظلوميتها أو تجاوزاتها، لكن لا أحد يسأل عن النسب المتبقية التي توزّع خلف الأبواب المغلقة!
في مجلس السيادة مثلًا، يُقال إن للمكون العسكري وزارتين فقط، بينما للحركات سبع وزارات. هذا يبدو وكأنه ميلٌ للكفة الأخرى. لكن، لنفترض – كما يروّج البعض – أن بقية الوزارات الستة عشر ذهبت إلى “كفاءات”… فمن الذي رشّح هؤلاء الكفاءات؟ هل هي كفاءات البرهان؟ أم ترشيحات كباشي؟ أم أنها قائمة إبراهيم جابر الخاصة؟
إذا كانت الوزارات تُقسّم بهذه الصورة، فليس من حق أحد أن يلوم الإعلام على التعبئة أو صناعة الأزمة. فالإعلام لا يخلق الوقائع، بل يسلّط الضوء عليها. الأزمة الحقيقية تُصنع داخل الغرف المعتمة، بينما الصحافة تُضيء الزوايا التي يُراد لها أن تبقى مظلمة.
لقد اختُزلت معركة الوعي في “محاككة” لفظية على الـ25٪، وكأننا نغفل أن المأساة الحقيقية في البنية كلها. “لا يستقيم الظل والعود أعوج”، وليس من العدل جلد طرف بعينه وترك الآخرين يمرحون خلف الكواليس.
ونختم بما قدمته القوات المشتركة من تضحيات جسام في مواجهة المليشيا، وهي القوات التي أثبتت انضباطها واستحقاقها لأن تكون داخل المنظومة العسكرية الموحدة، لا على الهامش. ويستحق قادتها أن يُنظر إليهم باعتبارهم رجال دولة، محل احترام وثقة، بل محل الفريق إبراهيم جابر، أو حتى محل وزير الدفاع بعد الدمج المنتظر. لقد اتضح الآن أن تأخير عملية الدمج لم يكن لأسباب فنية، بل لأن كعكة السلطة لا تزال تُقسّم بوسائل المحاصصة والمماحكة.
كما قال الفيلسوف البريطاني برتراند راسل:
“مشكلة هذا العالم أن الأغبياء واثقون بأنفسهم أشد الثقة، بينما الأذكياء مليئون بالشكوك.”
ولعلنا نضيف: والمخادعون يقسمون الكعكة.”