في لحظة سياسية خاطفة، قرر المكون العسكري أن يُعيد كتابة المشهد السياسي في السودان، لا عبر حوار أو إجماع، بل عبر تعديل منفرد لوثيقة يُفترض أنها دستور انتقالي متوافق عليه. التعديلات التي أُدخلت على الوثيقة الدستورية بعد انقلاب 25 أكتوبر، وجرى اعتمادها رسميًا في فبراير 2025، ليست مجرد تصحيحات إدارية أو تحديثات فنية، بل هي عملية إفراغ دستوري ممنهج.
تُفتتح الوثيقة المعدلة في مادتها الأولى بعبارة: “يتقاسم الشركاء في هذه الوثيقة السلطة خلال الفترة الانتقالية”.
لكن من هم هؤلاء “الشركاء”؟
سؤال يبدو ساذجًا للوهلة الأولى، لكنه يكشف جوهر الأزمة عند التمعن فيه. فقد تم حذف الإشارة إلى قوى الحرية والتغيير، كما أزيل اسم الدعم السريع من النص، ولم تُحدّد جهة بديلة واضحة. من بقي؟ المكون العسكري وبعض الحركات المسلحة المنتقاة. فهل تُدار دولة بـ”شركاء” بلا تعريف؟ وهل يُبنى دستور على ضبابية متعمدة؟
وفي المادة (6) من التعديلات، يرد نص قاطع: “لا يجوز تعيين مزدوجي الجنسية في المناصب التنفيذية خلال الفترة الانتقالية”.
لكن رغم ذلك، جرى تعيين رئيس وزراء يحمل جنسية أجنبية، كما تم تعيين خالد الأعيسر وزيرًا للإعلام، وهو أيضًا مزدوج الجنسية بحسب معلومات موثقة.
فهل المادة (6) وُضعت للتجميل أم للتطبيق؟ وهل يُنتقى من النصوص ما يخدم القرار ويُترك ما يعارضه؟
هذا التناقض الفاضح بين النص والواقع ليس تفصيلاً شكليًا، بل هو أصل العطب. من لا يحترم القانون الذي كتبه بيده، لن يحترم مؤسسات الدولة، ولا وعي الناس، ولا مستقبل البلاد.
لقد تحولت الوثيقة المعدلة إلى غطاء سياسي لقرارات تُصاغ في غرفة واحدة، وتُفرض على الجميع. ما عاد هناك شريك، ولا مجلس، ولا توافق، بل نزعة تفردية تُمسك بكل الخيوط، حتى لو تناقضت مع نصوص معلنة ومُعتمدة.
الدستور إما أن يُحترم أو يُصبح ورقة بلا قيمة. وإذا بدأ الاستثناء من القمة، فلا أحد يضمن أين تقف الفوضى في القاع.