“الحل السطحي للأزمات لا يُنهيها، بل يؤجل انفجارها.”)
من قاموس أكسفورد لعلم السياسة.
تحت الرماد وميض نار، وتحت النار أزمة، لا تزال مشتعلة لأن أحدًا لم يقترب من أصلها بعد.
غموض الأزمة السياسية في السودان لا ينبع من تعقيدها، بل من تجاهل جذورها، ومن محاولة معالجتها بمنطق التجاوز لا التشخيص.
القانون والدستور هما عماد الدولة، وأي خلل فيهما ينعكس مباشرة على بنيان الحكم ومؤسساته. المحكمة الدستورية، كما هو الحال في كل النظم الديمقراطية، هي المرجع والفيصل حين تتداخل السلطات أو تتصادم الإرادات. لكن ما حدث في السودان منذ سقوط النظام السابق هو تغييب متعمد لهذا الميزان.
أصل الأزمة يكمن في الوثيقة الدستورية التي أعقبت إسقاط نظام البشير. فقد نصّت هذه الوثيقة على مستويات للحكم، وعلى طريقة تعيين الوزراء، وتقاسم السلطات بين ثلاث جهات رئيسية:
• المكون العسكري
• قوى الحرية والتغيير
• الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية جوبا
لكن الفريق عبد الفتاح البرهان أقدم منفردًا على تعديل الوثيقة، فشطب منها أي إشارة إلى قوى الحرية والتغيير، وأوجد جهة غير معلومة تمارس سلطاتها باسم “الوثيقة المعدلة”.
لم تكن هذه التعديلات مجرد تغييرات فنية، بل كانت بمثابة انقلاب أبيض، تجاوز نصوص الوثيقة وروحها. فقد عُيِّن رئيس وزراء بلا توافق مع الأطراف الموقعة، وتم الإعلان عن شغل وظائف دستورية بالمخالفة الصريحة لبنود الوثيقة.
نصّت الوثيقة بوضوح على معادلة توزيع الوزارات:
• الجيش يرشح وزيري الدفاع والداخلية
• الحركات المسلحة ترشح سبع من الوزارات
• قوى الحرية والتغيير ترشح حصتها من الوزارات ستة عشر وزارة
لكن ما وقع فعليًا هو اختزال هذا التوزيع وإعادة هيكلته وفق مشيئة المكون العسكري، الذي رفض منح الحركات ما تستحقه، وساومها على الوزارات، وكأن التشكيل مسألة خاضعة للمزاج السياسي لا للوثيقة الموقعة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من الذي يمثل قوى الحرية والتغيير بعد حذفها من الوثيقة؟ ومن منح المكون العسكري هذا التفويض الكامل؟
لقد صُنعت الأزمة بيد، ثم رُفعت باليد الأخرى، لكن دون حل. وحتى حين يتجاوز الناس العقبات، تبقى جذور الأزمة كامنة، قابلة للانفجار في أي لحظة.
الازمة تفاقمت الان و اصبحت ليس في حصة الحركات الموقعة اتفاقية جوبا ، أنما في روح الشراكة وهذه نزرع جذور أزمة سوف يصعب حلها،
الأزمة المتصاعدة في بورتسودان نموذج واضح لما يمكن أن تفعله سياسة الإنكار والمراوغة. أزمة افتعلها العسكر، ثم وقفوا عاجزين أمام تمددها.
لقد منح هذا الشعب الفريق البرهان أكثر من فرصة، منذ بداية الحرب وتمدد المليشيا، ليكفّر عن أخطائه. والتفاف المواطنين حول القوات المسلحة كان دعمًا لا يُقدّر بثمن. لكن سوء التقدير وسوء الإدارة أضاع تلك الفرص.
صناعة الأزمة سهلة… لكن آثارها لا تُمحى بسهولة.