فولكر  … البرجوب ذاته

كتب : عوض الله نواي

0 26

في الريف، البرجوب ليس مجرد طين.

إنه وحلٌ ثقيل، لزج، يخدعك بملمس الأرض اليابسة، حتى تضع قدمك، فيمسك بها حتى الركبة.

البرجوب لا يحرّكك إلى الأمام، بل يجرك إلى أسفل.

وقد كان فولكر… البرجوب ذاته.

 

لم يكن عثرة على الطريق، بل الطريق نفسه وقد تغوّطته الفوضى.

فرش جسده على معابر المرحلة الانتقالية، ووزّع ابتسامته على خصوم الوطن، ومدّ يده لمن يطلبون الحكم بأي ثمن.

 

لم يُشعل الحرب، لكنه مهد لها بالوحل.

كتب الاتفاق الإطاري كما يُكتب عقد بيع في الظلام، كل بند فيه مستنقع، وكل سطر فيه زحلقة، ثم قال لنا:

سيروا… هذه هي الديمقراطية!

 

لم تكن تلك القوى التي اصطفت خلف فولكر – من قحت إلى صمود إلى صاعود التمباك – تبحث عن الوطن، بل عن ليلـة حُكم، ولو كانت على أنقاضه.

ولو خُيّروا بين الخريطة والعَلم، لاختاروا المقعد الدوار في القصر.

ولو خُيّروا بين السيادة والاستعارة، لاختاروا أن يستأجروا الوطن من جديد ليقيموا فيه ليلة واحدة… باسم الثورة.

 

أكثر ما خيّب ظني، لم يكن في فولكر، فقد عرفناه غريبًا.

بل في الدكتور عبد الله حمدوك.

ذلك الذي كنا نظنه من تراب هذا البلد، يتنفس طين الحقول، ويعرف البرجوب حين يراه.

لكنّه دخل برجوب فولكر برجليه، ثم لما أثقل الطين كاهله، رفع رجليه وحده وخرج… وترك الوطن يغرق.

 

لكن البرجوب لا يجفّ سريعًا…

فالذين غاصوا فيه بالأمس ما زالوا يتحسّسون أثره في أحذيتهم، ويتلذذون بذكرى السقوط، كأن الغرق كان نزهة، لا كارثة.

وهاهم اليوم، يمدّون أياديهم من تحت الطين القديم، رافعين مذكرة جديدة، يرفضون فيها رمطان لعمامرة، ليس لأنه فشل، بل لأنه لم يكن فولكر.

 

لم يمنحهم الأذن وحدهم، ولم يكتب لهم المسودة وحدهم، ولم يُنصّبهم أوصياء على الوطن، فرفضوه.

إنهم لا يريدون مبعوثًا أمميًا، بل يحنّون لفولكر، لا كشخص، بل كوظيفة:

وظيفة الطين الذي يسهل تشكيله، والمستنقع الذي يُقصي من لا يسبح على طريقتهم.

 

وفي قلوبهم حسرة أن البرجوب لم يبتلعنا جميعًا.

البرجوب الما بتغرق فيهو اليوم، ممكن تلقى روحك فيه بكرة.*

والبيشيل التمباك فوق طين، آخرته يسعِل ويختنق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.