فرية الكيزان… محاكم التفتيش الجديدة!
بقلم : عوض الله نواي *مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*
منذ سقوط النظام السابق، أصبح مصطلح الكيزان يُستهلك في الخطاب السياسي أكثر من استهلاك الماء في الصحراء. يستخدمه بعض نشطاء اليسار كوصمة جاهزة لإدانة كل من يختلف معهم في الفكر أو العقيدة أو الموقف السياسي. والأدهى من ذلك، أن هذا المصطلح لم يعد يصف تياراً بعينه، بل صار سلاحًا لتكميم الأفواه وتصنيف الخصوم وفق مزاجية حزبية متقلبة.
هل الانتماء لتيار إسلامي جريمة؟
هل باتت القناعات الدينية والانتماءات الفكرية تُدرج تحت قانون الطوارئ السياسي؟ أم أننا انتقلنا من عهد ديكتاتورية عسكرية إلى ديكتاتورية فكرية تمارس الإقصاء بمبررات الحداثة والتقدم؟
الانتماء السياسي، سواء كان لتيار يميني أو يساري، إسلامي أو علماني، هو حق يكفله القانون والدستور. ما ينبغي أن يُحاسَب عليه الفرد هو الفعل المجَرَّم قانونًا، لا الفكر، ولا القناعة، ولا الانتماء. أما أن نُخضع البشر لمحاكم التفتيش الحديثة، فهذا يُنذر بتحوّل المجتمع إلى ساحة للمزايدة والمكايدة، لا لسيادة القانون.
أزمة العقل السوداني: إدانة الفكرة بدل الجريمة
ما يحدث الآن هو محاكمة الناس بنواياهم لا بأفعالهم، محاكمة تُمهر بختم “أنت كوز” لتُغلق أمامك أبواب الوظيفة، وتُفتح لك أبواب التنمر المجتمعي والعزل السياسي. إنها محاكم رأي عام تُدار من هواتف الفيسبوك، لا من قاعات العدالة.
خاتمة: لا إصلاح بلا عدالة
إن أردنا بناء وطن يسع الجميع، فلا بد من العدل. والعدل يبدأ حين نفرّق بين الفكرة والجريمة، بين الحرية والتحريض، بين التعددية والاجتثاث. الكيزان – كغيرهم – يُحاسبون بالقانون لا بالشعارات. فليتوقف هذا العبث، وإلا فإننا نبني نسخة جديدة من الاستبداد بلون مختلف.