في يوم السبت العاشر من مايو 2025، وبين جدرانٍ صامتة تحبس أجسادًا غابت عنها الحرية، دوّى صوت الانفجار في سجن مدينة الأبيض .
لم يكن الانفجار نتيجة تمرّد داخلي أو محاولة فرار، بل كان غدرًا من الجو، نفذته طائرات مسيرة تتبع قوات الدعم السريع المتمردة، فحصدت أرواح 20 نزيلاً، وخلّفت أكثر من 50 جريحًا، بعضهم ما زال يصارع الموت خلف القضبان.
أي يد تلك التي تضغط زر الإطلاق على سجن؟
أي قلب يطاوعه الضرب على المستضعفين المقيّدين؟
وما الخوف الذي تحمله المليشيا من أجسادٍ لا تحمل سوى ثياب السجن وألم الانتظار؟
جريمة حرب موثقة… وشهادة من المفوضية
بيان رسمي من المفوضية القومية لحقوق الإنسان، صدر من بورتسودان، حمّل قوات الدعم السريع مسؤولية ما اعتبرته بوضوح “جريمة حرب مكتملة الأركان”، وانتهاكًا صريحًا للأعراف والقوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، التي تنصّ على حماية المحتجزين خلال النزاعات المسلحة، والحق في الحياة والسلامة حتى في زمن الحرب.
المفوضية لم تتوقف عند توصيف الجريمة فحسب، بل دعت المنظمات الدولية والإقليمية للضغط على المليشيا كي تكفّ عن استهداف الأعيان المدنية، وعلى رأسها المستشفيات والسجون والمرافق الخدمية، والتي تحوّلت إلى أهداف للقتل المتعمد.
السجين: ضحية مضاعفة لا هدف عسكري
في النزاعات، لكل طرف سلاح، إلا السجين.
هؤلاء لم يكونوا جنودًا في الميدان، ولا حتى نشطاء في ساحات النزال السياسي.
هم بشرٌ ينتظرون حكمًا من قاضٍ، أو فرصة لإصلاح ما فات، فإذا بهم يُختار لهم خاتمة لم يشاركوا في كتابتها.
السجين ليس هدفًا مشروعًا في الحرب، بل ضحية مضاعفة، ووفق القانون الدولي، فإن الاعتداء عليهم يُعد من أبشع صور الانتهاك، ويُظهر انحدار الخصم إلى درك لا أخلاقي لا تحفظه شريعة ولا يحميه عرف.
من إطلاق السجناء إلى قصف السجون
ليست هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها المليشيا السجون.
منذ تمردها في أبريل 2023، وثّقت المفوضية عشرات الحالات التي قامت فيها قوات الدعم السريع بإطلاق سراح النزلاء عنوة، دون محاكمات، مما خلق فراغًا قضائيًا وتهديدًا أمنيًا للمجتمع، وهدمًا لثقة المواطن في منظومة العدالة.
في هذه المرة، اختارت المليشيا أن تمحو النزلاء تمامًا من الوجود، وأن تغتال العدالة لا بالتجاهل، بل بالقصف.
بين سجين يُقتل… وسجين يُطلق
عندما تقتحم قوات الدعم السريع أي مدينة، لا تفكر أولًا في السيطرة على القيادة العسكرية أو حماية المدنيين، بل تتجه مباشرة نحو السجون، حيث تعمد إلى إطلاق سراح السجناء، خصوصًا من أصحاب السوابق والمجرمين الخطرين، في مشهد عبثي يُخلّ بتوازن الأمن والعدالة في المدينة.
هذا السلوك الذي يتكرر في كل مدينة، يكشف عن نمط متعمّد لهدم مؤسسات القانون، وزرع الفوضى كأداة للسيطرة، حتى يتحوّل المجرم طليقًا، والسجين العادي ضحية قصف.
هكذا تقف المليشيا على تناقض صارخ:
سجين يُقتل بلا ذنب، وسجين يُطلق دون محاكمة.
وصيّة في زمن الحرب
*كما يقول المثل السوداني: (الوصية في المهلة، والجري في السهلة)*
ولأن الأمر لم يعد يحتمل صمتًا، فإن هذا المقال ينقل وصية المفوضية والمواطن إلى كل مسؤول:
• احموا السجون كما تحمون الثكنات،
• وصونوا أرواح من سُلّمت أمانتهم إليكم،
• ولا تجعلوا من الحرب غطاءً للفوضىولا من المليشيا دولة داخل الدولة