على مدى سنوات طويلة نحن نتابع جلسات منظمة الأمم المتحدة، لم يسبق أن رأينا مشهداً ينحدر فيه وقار الدبلوماسية العالمية كما نراه اليوم في أروقة المنظمة الدولية بنيويورك. تحول هذا المحفل الدولي، الذي يدفع العالم فاتورته من قوت الشعوب، إلى ما يشبه فناء مدرسة تفرّق عنها المشرفون، فبات كل فريق يواجه خصمه بالصراخ، أو يجمع أوراقه ويهرب خارج القاعة غاضباً!
تُصرف الملايين سنوياً لتجهيز هذا الكرنفال السياسي، وتُفرش السجادات الحمر تحت عنوان كبير اسمه
حفظ السلام والأمن الدوليين. لكن الواقع خلف الأبواب المغلقة يعكس مسرحية هزلية مكشوفة:
* يصعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المنصة متباهياً بانتصاراته وعضلاته، متوعداً كوبا بالسقوط ومهدداً إيران بالمحق، فلا يجد الوفد الكوبي وسيلة للرد سوى حزم الحقائب ومغادرة القاعة فوراً، ويلحق به أغلب الوفد الإيراني تاركاً دبلوماسياً وحيداً يحدق في السقف بانتظار نهاية الخطاب
* يعتلي الرئيس التركي أردوغان المنبر ليوجه انتقادات حادة وصريحة للاحتلال الإسرائيلي، واصفاً ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية حولت القطاع إلى أكبر مقبرة للأطفال، فينتفض الوفد الإسرائيلي برئاسة داني دانون، وبدلاً من المواجهة بالحجة، يجمع أوراقه ويهرول نحو الباب في مشهد تمثيلي للمظلومية المفتعلة.
* يأتي الدور على الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليرفع صور الضحايا من الأطفال ويتهم واشنطن بالإرهاب، فتتكرر نفس الدراما الصبيانية؛ إذ لا يجد الوفد الأمريكي حرجاً في لملمة أوراقه والانسحاب السريع.
أصبح المشهد متكرراً ومثيراً للشفقة: زعيم يتكلم، وخصم يغضب، وحقائب تُحزم ليعم الهروب؛ وكأن أكبر قاعة دبلوماسية في العالم أصبحت مخصصة فقط لتسجيل مواقف الزعل والحرْد الشخصي!
لكن المهازل لم تقف عند هذا العبث داخل القاعة، بل امتدت إلى الوقاحة السياسية في استخدام سلاح التأشيرات من قبل الإدارة الأمريكية بصفتها الدولة المضيفة:
* تُمنح تأشيرة الدخول وتُفتح الأبواب على مصراعيها لنتنياهو، رغم مذكرات التوقيف الدولية وتهم جرائم الحرب والإبادة التي تلاحقه، ليرد بصلف واستعراض قوة حتى على رفض مسؤولي المدينة لاستقباله.
* وفي الوقت ذاته، تُحجب التأشيرة أو يُماطل فيها أمام الرئيس الفلسطيني، وتتكرر نفس اللعبة الدبلوماسية الرخيصة والابتزاز السياسي بحرمان قادة آخرين، كما جرى في التضييق على قيادة الدولة والجيش السوداني؛ لا لشيء إلا لأن الخرطوم رفضت الخضوع لإملاءات الهدن المشبوهة، مثل مشروع هدنة الـ 90 يوماً التي كانت مصممة بالأساس لمنح مليشيا الدعم السريع متنفساً لإعادة تنظيم صفوفها بعد الضربات الميدانية الموجعة.
السؤال المؤلم الذي يطرحه كل مواطن حر: هل هؤلاء هم من يقبضون على مصائر الملايين، ويحددون من يجوع ومن يُقصف ومن يعيش؟
الحقيقة الصادمة أن القانون الدولي داخل هذه المنظومة أصبح مجرد حبر بارد على ورق لا يحمي أحداً. والملايين الطائلة التي تُهدر سنوياً على استعراضات الخطب وحراسات الفنادق والمواكب البراقة في نيويورك، لو تحولت إلى حقائب غذاء وقوافل دواء تسند الجوعى والمحاصرين في غزة وفي قرى ومعسكرات السودان المنكوبة، لكانت أشرف وأنبل بآلاف المرات. فالرغيف يسد رمق الجائع، أما استعراضات الأمم المتحدة فلم تعد تقدم للعالم سوى الكذب وتواطؤ الكبار، في مشهد بائس يصفع جبين الإنسانية كل عام دون حياء.