… و أم رُوابة ما ذنبُها؟!!

كتب الدكتور : محمّد محجوب هارُون

1

في مثلِ أيامنا هذه ينفرُ أهلُنا في ريف سودان حزام السافنا إلى زرعهم. مثلُ ذلك هُو حال أهلنا في شرق كردفان، و حاضرتهم أُم رُوابة. في عامِهم هذا، على غير ما عهدوا في سنين خَلَون، شحت أمطارُ موسم الخريف! و الخريف عند أهلنا الكِرِام البرَرة أيُ شيء . . و كلُ شيء. بدونه لن تكتسي أسواق أُم دورور، حيثُ يقضون أيّام أسبوعهم جائلين بينها، حُلّتها من الجلاليب و العمائم البيضاء، و اللواري الأبيض ضميرك و السِفنجة و الضو حجُّوج، و المحاصيل و السلع و الخدمات و التداول. و حين تشُحُ أمطار الخريف يفزع الرُعاةُ أهل السعيّة، المُجهدُون في خدمة سعيتهم لا خدمتها لهم، من مَحَلٍ محقّق يحيقُ ببهائمهم لا يُبقي ظهرا. و حين تشُح أمطار الخريف فالمدينةُ، حتى المدينة، التي تصحو متاجرُها بعد قدوم اللواري من الحلّال، تستيقظُ كسُولةً متثائبة، إذ ما المدينة، حتّى و هي في أحسن حالاتها، إلا ملَجَةٌ لتبادل المنافع بين المزارعين و الرُعاة القادمين من الضواحي و بين تجّارها. يأتي الأوّلون بما يستطيعون نقله باللواري و التكاتِك و الدواب من محاصيل و مواشي و أغنام و جِمالٍ ذوات حُسنٍ و جَمَال، و بحصاد احتطابهم من مواد البناء و الوقود محلية الصُنع، فيما يُبادلُهم تجارُ المدينة ما يجلبون و/أو يصنعون من سلع الغذاء و الكِسوة و الدواء و مواعين البيوت و فُرُشِها. الأسواقُ مهرجاناتُ فرحٍ صاخبة تضجُ بالحيوية تعود على المتسوّقَة بالخير و العديل و الزين و الفُلُوس التي شاع بين الناس، زماننا هذا، تسميتها (الضحّاكات).

 

أهلُنا الفرسان، الجنازير التقيلة، هؤلاء فُجعوا صباح يوم الثلاثاء، الثامن من سبتمبر 2026 الجاري هذا، بعُدوانِ طائرةٍ مسيّرةٍ قاسٍ قلبُها لئيمةٍ مُجرِمة. استودع اللهَ أهلُنا فوجاً من الشهيدات و الشهداء و جرحى بغير حساب أثرَ هذا العُدوان، لا إيدهُم و لا كُراعهم! يا الله . . خرجوا يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، من جاء منهم من قلب المدينة و من أقصاها، و من قطَع منهم القيزان و الفيافي قادما من الضواحي كالاً في كسب رزق يومه. إستقصدتهم المسيّرةُ قاسيةُ القلب في حرم بُرج المحاكم في أُم رُوابة، المبنى الأحدث معماراً. جاء منهم من جاء مُتقاضياً يبتغي عدالة الأرض قبل عدالة السماء، و كان من بينهم من كان في خدمة الباحثين عن العدالة. يا الله . . يا الله. أُم روابة ما ذنبُها!!

كيف بها، يا تُرى، باتت ليلتها تلك و قلبها الحنُون ينفطرُ.

 

جَبَدَ أهلُنا في شرق كُردُفان نَفَسَاً عميقاً قبل نحو عامين من اليوم بعد أن استردّ سيادة الدولة عليها جيشُنا الوطني و شركاؤه في متحرك الصياد، الذي بناه أوّل عهده، مقاتلاً مقاتلا . . و قطعة سلاح إثر أخرى، فِرسانٌ من أهل الهمّة و السبق من أبناء شرق كُردُفان، تقبّل الله إحسانهم. مكث أهلُنا، بلا تمييز من لونٍ أو عِرقٍ أو جهة، بين يدي الدعم السريع أيّاما من الأهوال و الإذلال و المسغبة. باصرُوا خلالها الأمانَ من الخوف و كسبَ العيش ما وسَعت بصارتُهم. قال لي شيخٌ كبير “و الله يا محمد نحنا الناس ديل (يقصد ناس الدعم السريع!) ما كفّينا أذاهم إلا بالحسبنة”، إذ كان السادة المشايخ و أئمة المساجد يطلبون من الرجال و النساء إتمام ألف مرّةٍ من دعاء “حسبُنا الله و نعم الوكيل” سحابة نهارهم و طرفا من ليلهم. قالت لي أختي المعلمّة في المنطقة أنّهن كُنّ يقُمنَ بهذا الواجب حتى أنّ السيدةَ منهُن، لا تلتحق بأخواتها في محفل ما إلا و قد أتمّت وِردها الألفي من الحَسبنة! ﴿فَلَوْلَا أَنَّه كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. يا الله . . يا الله. كلُ هذا الضياءُ في العُتمة!

 

أُم رُوابة صاحبةُ الشأنِ هذه بُقعةٌ مباركة، مثلما كان يقول صاحب دار كردفان المرحوم الفاتح النُور، تولاه الله بواسع رحمته و إحسانه، في وصف الأُبيّض، حاضرة إقليم كُردفان و غرب السودان كلّه. أمّا حول نشأتِها فتشير رواية متكرّرة أنّ أُم رُوابة استحضرت، من فريقٍ صغير في العام 1912، حال صحّت الرواية، حين بلغه خط سكة حديد غرب السودان. تقول روايُة متداولة أن أُم رُوابة، سِت الإسم، كانت سيدة ظعينة تسُومُ الروبَ في تلك البُقعة. و هذه رواية لو صحّ أوّلُها بوجود سيّدة سعيّة بهذا الإسم، إلا أنّ ما يُمكن أن يُحتَجُ به عليها فهو الشقُ منها الذي يدّعي أنّها كانت تبيع الروب. ما كان الروبُ، بل و لا الحليبُ ذاتُه، سلعةً تُباع في تلك الفيافي في غرب السُودان، إلى عهدٍ قريب. كان الروب إمّا مبذولٌ مقايضةً مع الغِلال بين البدو الظاعنة و أهل القرى من المزارعين، أو أنّه يُهدى بدون مقابل مادي، أو يُكشَح (ساكِت) حين لا حاجة له عند صاحب حاجة!

 

تتموضع أُم رُوابة، المدينة و المحلية و عاصمة مجلس ريفي شرق كُردفان ذي الشنّة و الرنّة، عهدئذٍ، إلى الجنوب الشرقي من ولاية شمال كُردُفان، مجاورةً ولايتي جنوب كُردفان و النيل الأبيض. أمّا الجغرافيا و الطبيعة فتتحالفان في تخليق سحر المدينة. يحفُ أم روابة من جهة الجنوب خور أبو حبل الذي يستجم عندها في الخريف فيما يُشبه البُحيرة. و تشتهر المدينة بعذوبة مياهها حتّى أنّ روايةً شهيرة التدوال تدّعي أن مياه شرب حاكم البلاد الإنجليزي أيّام مجد الإستعمار (الإستغلال) كان يؤتى بها إليه من أُم رُوابة. و لو أنّ هذه الرواية يلزم حيالها شيء من تحقُق، إلا أنّ صفاء مياه أُم رُوابة و عذوبتها ممّا لا يختلف عليه أُثنان. و يفيد علماءُ الجيولوجيا و المياه بأنّ أُم رُوابة تجلس على بحيرة مياه ممتدة تُعرف بحوض أم روابة الجوفي. أما عذوبة مياه أم روابة فمن عذوبة مزاج أهل أُم رُوابة و طبعهم السَمح المُباشر.

 

الطبيعة هي الأخرى تحتفي بأُم روابة الشهيرة بالاخضرار حتى أنّ أهلها يسمونها عروس النيم، على غَرار الأُبيّض عروس الرِمال. إشتهرت أُم رُوابة بشجر النيم شديد الاخضرار، غزير التورق، بارد الظل. و لكن ليس شجر النيم وحده ما يمنح أُم رُوابة سمعتها كمدينة خضراء. البيوتُ و المرافقُ العُمُومية و حتّى الأسواق في أُم رُوابة بساتينٌ من أشجار الليمون و الجوافة و المانجو و القِشطة و السدر و النخيل. هذا فضلا عن البساتين، ممّا اعتنى، و يعتني، بزراعته أيامنا هذه شبابُ المدينة، التي تُزهر ثمراً، و تفوحُ عطراً.

حيّاك اللهُ يا أُم رُوابة . . حيّاك.

 

ما بعضُ ذلك، أو حتّى كلُه، مما يُميزُ أُم رُوابة، إذ ما يُميزُها كثيرٌ . . كثير، لا يتوفر مثلي على رصده. و هذا ممّا يجعلُ السؤال (أُم رُوابة ما ذنبُها؟) مُلِحّاً . . لا بُدّ منه. أُم رُوابة (غير)، كما يقول عرب الحجاز و الجزيرة العربية. منذُ ميلادها كانت المدينةُ مِهاداً للإلفة بين الناس.

 

أُم رُوابة و خليلتها الرهد هُما حاضرتا أهلنا الجوامعة، أولاد جامع. بيد أنّ المدينة منذ نشأتها منذ مائة عام و نيف أختارت (ماركة مسجّلة لها) كونها وطن الغاشي و الماشي. هُجنةٌ بديعة حتّى أنّها صارت مرآةً ترى السودان فيها من أيّة زاوية نظرت إليها. جمعت أُم رُوابة من البطون و القبائل و الأعراق، إلى الجوامعة، أهلنا من عرب البقارة هبّانية و حوازمة و كنانة، و رعاة الإبل و الأغنام من أهلنا الشنابلة. و جاءها نفرٌ من أهلنا في دارفور حتّى أن أحد أعرق الأحياء في المدينة يُسمّى (الدينارية) نسبة إلى أبناء و أحفاد السلطان علي دينار، له رحمة الله و إحسانه، ممّن انتهت رحلتهم في أُم رُوابة بعد كسرة الفاشر الشهيرة بعد مقتل السُلطان على يد المستعمرين الإنجليز في 1916. و عمّر المدينةُ نفرٌ من أهلِنا من تقلي و جبال النوبة و جماعات من دار فور و جنوب السودان و سودانيين من أصول مصرية و تركية و غرب إفريقية و شيوخ من السادة الشناقيط. و استوطن المدينة منذُ تأسيسها من التجار أهلُنا الأسوليّة (القادمون من أُسوان) و الجعافرة و الكُنوز و الحلفاويُون و الدناقلة و تجارٌ و أفنديةٌ من نواحي بربر و الدامر و المسلمية و رفاعة و الهلالية و فداسي من الجزيرة و الجعليون و بديرية الشمال و الركابية و الشايقية حتّى أنّ حيّا شهيرا في المدينة أسماه أهلُها (كريمة). هذا فضلاً عن احتشاد المدينة و احتفائها بالقادمين من أرياف شرق كردفان و دار الريح و الصعيد و أهلنا البزعة بسحناتهم و أعراقهم و قبائلهم و مِهنّهم و حِرَفهم و أمزجتهم الرائقة. عاشوا معاً . . تجاوروا و تصاهروا و شهِدوا منافع لهم و فتّحوا أبواب الرزق، بل و تقاسموا النبقة. تخرجُ الحنائزُ في أم روابة فترى المدينة كلها في مواكب التشييع. و يعودون لتخرج من كل بيت سُفرة طعام إلى فُراش المُتَوَفى. يتسابق أهل أُم رُوابة إلى فعل الخيرات فضلا و صدقة و نفيراً و فزعاً و خُوةً و مُرُوة. يا لأهلك من أهل يا عروس النيم.

 

أُم رُوابة حاضرةٌ، بندرٌ معمور، Metropolis، كما يصف الإنجليز المدينة المركز، خدمةً عُمُومية و تجارةً و أعمال و معارف و ثقافة و تنوير. يُروى أنّ الإدارة الاستعمارية الإنجليزية حينما عقدت عزمها على بناء أُم رُوابة حاضرة لشرق كُردفان استدعت المركز الإداري من الطيارة (التيارة في رواية أخرى) و أصدرت أوامرها للتجار في شركيلا لنقل أعمالهم إلى أُم رُوابة. الطيارة الواقعة إلى جوار مدينة الرهد (أبُو دكنة) كانت هي العاصمة الإدارية لشرق كردفان، وقتئذ، فيما كانت شركيلا الواقعة جنوبي خور أبو حبل، مركزاً تجارياً مزدهراً منذ ما قبل الحكم التُركي. و في حال صحّت هذه الرواية فالسياسة الإنجليزية كانت تستهدف تكسير المراكز التقليدية باعتبارها محاضن للأنصارية ما قد يهدّد بإيقاد نار المهدية من جديد. المُهم هو أنّ أُم رُوابة جاءها أصحابُ المصلحة من كل فجٍ عميق. جاء التجار من شمال و وسط السُودان و حتّى من جنوب مصر فحقنوا في شريان قطاع الأعمال المحلي دماً جديداً. إزدهرت في المدينة تجارة الإجمالي و تصنيع الزيوت و المنظفات و الطحنية. و اشتهرت المنطقة الصناعية في أُم رُوابة بحرفييها و فنييها من الميكانيكية و الحدّادين و الكهربجية و النجارين و عُمُوم الصناعية، حتى غدت قبلةً لأصحاب اللواري و الآليات الزراعية من منطقة المشاريع في الجبال الشرقية لجنوب كردفان (منطقة تقلي) و طالبي الأثاث المنزلي و المكتبي و المدرسي و قطع غبار المُتحركات.

 

أُم رُوابة من حقّها أن (تتنبّر) بكونِها مركزاً للنباهة و الاستنارة، مدارساً و منتديات أدب و ثقافة و سينما و استديوهات تصوير فُوتوغرافي و أنديةً رياضية و سكة حديد و مرافق خدمة عُمُومية. جمعت أُم رُوابة السودانيين من القِبل الأربع و صهرتهم لتعلن ميلاد (الأُم رُوابي) الحَضَري المعطون في عبق كُردفان و أريجِها، الوارث مآثر الريفي المتمدّن. و أجمعت أُم رُوابة فأصبحت (العفريتة) التي تُستنسخُ منها الصورَ، مُصغّرةً و مكبرة، للسُوداني، ما قبل 1956، و ما بعد ذلك، و بعد محطة 1504 و قبلها، عهود كوش و نبتة و سوبا.

 

صنعت أُم رُوابة ذاتها، و بضُراعها، صورةً كالموناليزا، من حيث نظرت إليها تبسمت في وجهك، أريحية و بشاشةً و بِشرا. ماذنب أُم رُوابة إذن؟ أُم رُوابة ما ذنبُها؟ إذ هي هذا كُله؟! أُم رُوابة سهمٌ كبير في صناعة سودان الجميع، و السودان الذي هُو للجميع. هي تراُكُم إيجابي و بنّاء عبر عقود من العمل الدؤوب الذي شارك فيه الكل من أجل الكل. علينا ألا نحيل أُم رُوابة كما بغداد على أيدي التتار. لا ينبغي علينا، كائناً من كان، لا ينبغي أن ننقض غزلنا من بعد قوّةٍ أنكاثا. أُم رُوابة بناها الكُل، بنُوها للكُل.

 

اللهم اجعل أُم رُوابة بلدا آمنا و ارزُق أهلها من الثمرات. اللهم اطعمها من جُوع و أمّنها من خوف. اللهم آمين.

محمّد محجوب هارُون

10 سبتمبر 2026

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.