يا لطيف ألطف.. هذه عبارة ما انفكّ لساننا يلهج بها كلما ظننا أن مصائب هذه الحرب قد بلغت قاعها، فيفاجئنا بعض بني جلدتنا بأن في القاع قاعاً آخر أشدّ عتمةً ونذالة!
الخبر الفي كسلا الوريفة لا ينبغي أن يمر في شريط الأخبار كأي مداهمة لبضاعة مهربة أو سلعة فاسدة. فالأمر هذه المرة ليس قماشاً رديئاً ولا صابوناً ناقص الوزن؛ الأمر يتعلق بمصنع كامل، بـطمّته وطميمه، يُدار في الخفاء لتدوير مبيدات زراعية وأدوية بيطرية منتهية الصلاحية منذ عامي 2014 و2018، وإعادة تعبئتها بـديباجات برّاقة وأختام مضروبة، وعليها عين قوية تطبع تاريخ المستقبل: 2026!
تأملوا معي المشهد بحق السماء: بضاعة مسروقة من ولاية الجزيرة المنكوبة—التي لم تسلم حقولها ولا بيوتها—تُساق في جنح الظلام إلى كسلا، ليعاد طبخ سمومها في براميل الآفات القومية، وتُضخ في الأسواق بحموله عشرة لواري كاملة! وغير معروف الكميات التي تم بيعها أيّ ضمير هذا الذي يسكن صدور هؤلاء القوم؟ وأي طينة تلك التي جُبلت منها قلوبهم؟ في الوقت الذي ينتظر فيه السودانيون حبة القمح ولقمة العيش، ويقاتل فيه المزارع تحت هجير الشمس ليستر عورة البلاد من الجوع، يأتي من يبيع له سمّاً زُعافاً باسم المبيد الحشري والدواء البيطري!
دعونا نفكك هذه الجريمة بـالفراسة السودانية والمنطق البسيط؛ المسألة هنا ليست خسارة مزارع مسكين لموسمه الزراعي، ولا نفوق بقرة أو شاة لم يرعَ صاحبها الله فيها، الحكاية أخطر من ذلك بمراحل
* أولاً: هذا الكيماوي المتحلل إذا رُشّ به الزرع، لا يقتل الآفة بل يمتصه النبات، ويستقر في الطماطم والجرجير والبصل وكل الخضروات ، ليدخل بيوتنا وبيوتكم في صحن الملاح، فيتحول بعد أشهر وسنوات إلى فشل كلوي وسرطان ينهش أجساد الغبش التعابى.. يعني قتل مع سبق الإصرار والترصد.
* ثانياً: حين تُحقن به الماشية بأدوية مغشوشة، فإما أن تموت الثروة التي هي عصب اقتصادنا، أو ينتقل السم في اللبن واللحم إلى بطون الأطفال.. يعني قطع للنسل والضرع.
* ثالثاً: هذه الأرض الطيبة في حوض القاش وتربال القضارف، إذا شربت هذه السموم الفاسدة، فستصاب بـالعُقم ، والتربة إن عقمت لا تلد قمحاً ولا ذرة ولو نزل عليها غيث السماء!
التحية هنا ليست من باب المجاملة، بل هي كلمة حق تُقال للخلية الأمنية بكسلا وضباطها اليقظين، ولوزارة الإنتاج بقيادة د. خضر رمضان .
لكن، اسمحوا لي أن أضع النقط فوق الحروف وأخاطب الاجهزة الامنية والقضاء:
هؤلاء المجرمون لا مكان لهم في قانون الغرامات والمخالفات التجارية الباردة؛ هذا ليس جشعاً تجارياً، هذا إرهاب بيولوجي وإبادة جماعية معلنة في زمن الحرب. الحل يبدأ من محكمة طوارئ ناجزة، لا تعرف المطاولة ولا فقه التسويات، تُنصب مشانق الردع القانوني بحقهم، ليعلم كل من تسوّل له نفسه أن بطون السودانيين وصحة أراضيهم ليست رخيصة ولا مستباحة.
أما بيت القصيد ورأس الرمح في هذه المعركة فهو المزارع؛ حامي حمى غذاء هذا الشعب وحارس موارده وأرضه الطيبة. ولذلك نوجه النداء بملء الفم: فتّحوا عيونكم قدر الفنجان، لا تأخذكم حلاوة السعر ولا بريق الكرتونة الجديدة، واشتروا من المصادر المعتمدة فقط. وفوق ذلك: إذا لاحظ أي مزارع أي علّة غير طبيعية طرأت على زرعه أو احتراقاً مفاجئاً في أوراقه أو تغيراً في تربته إثر استخدام أي مبيد، فعليه ألا يبلع حسرته ويسكت، بل يجب الإبلاغ الفوري والعاجل لأقرب مكتب وقاية نباتات أو جهة أمنية؛ فسكوتك يا مزارعنا الجميل قد يفتح الباب لدمار حقل جارك وتسميم بطون إخوانك.
وهنا نقرع جرس التنبيه لوزارة الإنتاج والإرشاد الزراعي: المزارع الصامد في حقله لا يمكن تركه يواجه دهاليز هؤلاء اللصوص بمفرده؛ لابد من إطلاق حملات توعية وإرشاد وتدريب ميدانية ومكثفة وعاجلة، تنزل للحقل ، لتدريبه وتبصيره بكيفية التفريق بالعين المجردة بين المبيد الأصلي والمبيد المغشوش، في الرائحة، واللون، ورقم التشغيلة، وخصائص الذوبان؛ فالعلم نور، وتوعية المزارع هي الحصن الأول والمختبر المتقدم لكشف السموم قبل رشها.
حمى الله السودان، وحفظ زرعه وضرعه، وأراحنا من تجار الموت الذين يقتاتون على جراح الوطن.