الانسانية خط الدفاع الاول (2_2)

بقلم: دكتور الطاهر موسي الحسن

2

دفتر الحساب المفتوح.. لغة الأرقام توثق ملحمة كسلا في الصمود والعودة .

عندما تصمت العبارات أمام هول الكارثة الإنسانية، تظل الأرقام وحدها هي الشاهد الذي لا يكذب، والميزان الذي يزن تضحيات الرجال وقوة الدولة في امتحان النزوح العظيم. وتقارير مفوضية العون الإنساني بولاية كسلا، الممتدة منذ انطلاق الرصاصة الأولى لمعركة الكرامة وحتى يومنا هذا، ليست جداول إحصائية صماء تحفظ في الأضابير، بل هي سجل حي لـ معركة الداخل؛ المعركة التي خاضتها كسلا لحفظ كرامة الوطن وإنسانه.

تفتح الأرقام الميدانية المعتمدة دفاتر الحساب لتكشف عن حجم الثقل الذي تحملته هذه الولاية الصابرة؛ فمنذ التاسع عشر من أبريل 2023م وحتى أوج مراحل الأزمة، استقبلت كسلا طوفاناً بشرياً بلغ 114,868 أسرة، بإجمالي 574,340 فرداً. هذه الأرقام تعني بلغة الديموغرافيا والجغرافيا أن الولاية تضاعف سكانها بصورة مباغتة، في ضغط غير مسبوق على خدمات المياه والكهرباء والمشافي والأسواق.

ومع هذا التدفق الكاسح، واجهت المفوضية صدمة البدايات عبر خطة إيواء محكمة استوعبت 75% من النازحين داخل المعسكرات ومراكز الإيواء التي جرى تجهيزها وإدارتها بكفاءة عالية، وضمت 86,151 أسرة (430,755 فرداً)، في حين احتضن مجتمع كسلا الأصيل عبر الاستضافة الأسرية والمجتمعية 28,717 أسرة (143,585 فرداً). وتكمن المعجزة الحقيقية هنا في قدرة المفوضية والأجهزة الأمنية على ضبط هذه الكتل البشرية الضخمة والحفاظ على الاستقرار المجتمعي دون رصد أي انفلات أمني أو احتكاك نشاز، ما مثل أعلى درجات التعايش والضبط الإداري الرشيد.

وعلى صعيد التدخل الميداني، توثق السجلات تدفق ملايين السلال الغذائية، وتوزيع مئات الآلاف من جوالات الدقيق، وتأمين مواد الإيواء العاجل والكساء لمئات الآلاف، بجانب إطلاق برامج الدعم النقدي المباشر لحفظ كرامة الأسر، وتنفيذ آلاف العمليات الجراحية والخدمات الصحية المنقذة للحياة، والتدخل الحاسم لحصار الأوبئة وطوارئ الخريف بالتنسيق مع وزارة الصحة وشركاء العمل الإنساني. هذا المجهود الضخم ما كان له أن يبلغ مداه لولا المتابعة الميدانية الصارمة لإدارة المفوضية التي نسقت وقادت عمليات 24 منظمة دولية وأممية، وأكثر من 100 منظمة ومبادرة وطنية وشعبية، وجعلت من حركتها سيمفونية عطاء منتظمة تحاصر الجوع والمرض.

لكن الملحمة لم تتوقف عند حدود استقبال الضيوف وإطعامهم؛ فمع بشائر الانتصارات التي سطرتها القوات المسلحة والقوات النظامية والمستنفرون، واسترداد ولايات ومدن السودان من دنس التمرد، قادت مفوضية العون الإنساني بكسلا فصلاً جديداً من الإنجاز تمثل في برنامج العودة الطوعية. لم تكن العودة شعاراً سياسياً، بل برنامجاً لوجستياً ضخماً شمل تأمين التفويج، وسائل النقل، ومستلزمات الطريق، حيث نجحت المفوضية في تيسير عودة 78,634 أسرة، بعدد 416,760 فرداً عادوا بعزة وكرامة إلى ديارهم ومنازلهم في الخرطوم والجزيرة وسنار وسنجة، بخلاف عشرات الآلاف الذين غادروا بجهدهم الذاتي بعدما وجدوا في كسلا الملاذ والأمان حين عز المأوى.

إن هذه الأرقام ليست مباهاة بإنجاز خدمي، بل هي توثيق تاريخي لكيف خاضت ولاية كسلا معركة الكرامة، وكيف حوّل مجتمعها ومؤسساتها، وعلى رأسها مفوضية العون الإنساني، العمل الإغاثي إلى جبهة مقاومة شعبية رديفة. لقد أثبتت التجربة أن الحرب قد تُخاض وتُدار بالسلاح والمدافع في الخطوط الأمامية، لكن النصر النهائي والاستقرار الوجودي للدولة إنما تحميه وتصونه وتثبته عزائم الرجال في ميادين التكافل والتضحية.

إن تكريم مفوضية العون الإنساني بكسلا وطاقمها العامل هو تكريم لنموذج القيادة التي نزلت إلى الأرض واستنفرت الهمم؛ وهو برهان ساطع على أن العمل الإنساني في زمن الحرب ليس مجرد معونة عابرة، بل هو ركن أصيل من أركان الأمن القومي وشكل متقدم من أشكال المقاومة الشعبية التي تحمي ظهر المقاتل في الميدان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.