المراقب للشأن العام و تقلبات السياسة وإدارة الأزمات في السودان، يستقر في يقينه حقيقة لا تتزحزح:وهي ان الأمم لا تُبنى بالضجيج والبيانات المنمقة في الصوالين المغلقة، بل تُبنى حين تُغرس الأقدام في طين الأرض لتبتكر الإنتاج، وحين تنصهر الإرادة داخل غرف العمليات لإنقاذ أرواح البشر.
بالأمس القريب، كنا نتابع زيارة والي ولاية كسلا، اللواء ركن م. الصادق محمد الأزرق، إلى أراضي ود الحليو المعطاءة، واقفاً على عمليات التطوير الزراعي ومُدشناً حاصدات محصول السمسم، ليرسل إشارة اقتصادية بالغة الأهمية بأن شريان الإنتاج في هذه الولاية لن يتوقف. واليوم، تكتمل حلقة البناء بمشهد لا يقل أهمية ولا دلالة؛ حيث شهدت عاصمة الولاية نجاح أول عملية استكشافية لقسطرة قلبية بـ مركز القلب بكسلا، بحضور قيادات وزارة الصحة واستشارييها وعلى رأسهم العالم الجليل البروفيسور السمؤل وفريقه المقتدر.
إن هذا الإنجاز الطبي ليس مجرد حدث صحي عابر يُضاف إلى سجل الافتتاحات؛ إنه تحول بنيوي ونوعي يصب مباشرة في جوهر التنمية المستدامة. لقد كانت معاناة مرضى القلب في ولايات شرق السودان تحديداً درباً من العذاب؛ رحلات شاقة نحو العاصمة أو خارج الحدود، واستنزاف مالي ونفسي لا يطيقه المواطن البسيط. أن يتحول هذا الحلم، من سطور كانت حبيسة الأوراق إلى واقع استشفائي حي بأحدث التجهيزات الفنية والطبية، يعني توفير مئات الملايين من الجنيهات وعناء السفر لمواطني كسلا والولايات المجاورة، فضلاً عن فتح أفق جديد وواعد لـ السياحة العلاجية التي تجعل من الوريفة قِبلة للاستطباب التخصصي الآمن في ظل الظرف الحرج الذي تمر به بلادنا.
وهنا نقف وقفة إكبار مستحقة أمام وزارة الصحة بولاية كسلا، ووزيرها المكلف ومديرها العام الدكتور علي آدم، الذي تابع كل صغيرة وكبيرة، وسهر مع الكوادر الطبية والمجتمعية ليجعل من هذا الصرح حقيقة تليق بإنسان الولاية. والتحية تمتد للبروفيسور السمؤل ولكل يد مخلصة جعلت هذا المستحيل ممكناً. هذا هو الأداء المؤسسي المقرون بالتجرد، والذي ننتظر أن تحذو حذوه كافة الوزارات الخدمية والتنموية بالولاية؛ لتتحرك في مسارات البنية التحتية، الاستثمار، والزراعة، لفتح آفاق العمل والأمل أمام شباب كسلا.
رسالتي هنا لا تحتمل الدبلوماسية ولا المواربة، وهي موجهة إلى كل الفرقاء والسياسيين والمختلفين مع حكومة الولاية وواليها: لقد جاءتكم الفرصة للتجرد من أجل الأرض والإنسان، فـ ختّوا الكورة واطا .
يكفي السودان ما لحقه من دمار وتفتت وخراب بسبب صراعات النخب وحسابات المكاسب الذاتية الضيقة. إن مشاريع التنمية—سواء كانت حبة سمسم تُحصد في أطراف الولاية، أو صرحاً طبياً يعيد النبض لقلب مريض متعب—لا تنتمي لحزب ولا تتبع لقبيلة؛ إنها ملك لإنسان هذا الوطن. الخلافات السياسية ستذروها الرياح، ولن يذكر التاريخ من رفع لافتات المكايدة أو عطل مسيرة البناء؛ بل سيحفظ بمداد من نور أسماء الذين وضعوا لبنة، وداووا جريحاً، وأطعموا جائعاً في زمن الشدة.
السودان اليوم في حوجة ماسة لمثل هذا النموذج التنفيذي الذي يقاتل على جبهات التنمية كما تقاتل جيوشه على خطوط النار لحفظ السيادة. ويقيني أن ولاية كسلا تمضي بخطى واثقة لتكون نموذج التعافي وإعادة الإعمار في شرق السودان.
سياده الوالي.. الطريق ما زال طويلاً، وحجم التطلعات بحجم التحديات التي أفرزتها هذه المرحلة؛ فإياك أن تهدأ.. أو تفكر أن تهدأ. امضِ في فتح دروب الإنتاج والمشافي والمشاريع الحيوية، فمن خلفك مجتمع أصيل يرى أثره في الميدان، والتاريخ لا ينحاز إلا لمن يبني ويزرع الأمل في قلب الركام .