تكريم مستحق لـ واراب وكتيبة الصمود في كسلا …
لم يأتِ تكريم الأستاذ إدريس علي محمد واراب، مفوض العون الإنساني بولاية كسلا، من قِبل حكومة ولاية كسلا، كإجراء بروتوكولي تفرضه المناسبات، بل جاء تتويجاً مستحقاً لملحمة وطنية وإدارية بالغة التعقيد، قادتها المفوضية في واحدة من أحلك وأخطر المنعطفات التي مر بها السودان منذ اندلاع حرب الوجود في أبريل 2023م.
إن القراءة المنصفة لما جرى في كسلا تؤكد أن الولاية لم تكن مجرد مدينة آمنة تقع خلف خطوط النار، بل تحولت فجأة وبلا سابق إنذار إلى جبهة مفتوحة بلا بنادق، جبهة تصدت لجحافل النزوح، وخاضت حرباً ضروساً ضد الجوع والوباء والفوضى. فبين ليلة وضحاها، قفزت كسلا من خانة الولاية الحدودية الهادئة إلى مركز ثقل إنساني وقومي استوعب صدمة النزوح الأكبر في تاريخ الإقليم، حيث تضاعفت الكثافة السكانية في أسابيع معدودة وحُملت بنيتها التحتية المحدودة ما يفوق طاقتها التخطيطية بعشرات السنين.
في هذا المشهد المضطرب الذي كان ينذر بانهيار شامل، تجلت كفاءة واراب في قدرته الفائقة على هندسة الاستجابة الطارئة وبناء فريق عمل حديدي ومتماسك. لم يدِر الأخ إدريس الأزمة بعقلية الموظف المقيد بالبيروقراطية، بل تصرف كقائد ميداني، فجمع أركان حربه من منسوبي المفوضية وكوادرها الصامدة، وصهرهم في غرفة طوارئ لا تعرف النوم. هؤلاء الجنود المجهولون في مفوضية العون الإنساني بكسلا قدموا أروع نماذج التجرد ونكران الذات؛ رابطوا في المعابر، ونصبوا الخيام في هجير الصيف وأمطار الخريف، وتفانوا في استقبال أمواج الفارين من بطش المليشيا، مقاسمين إياهم المأوى ولقمة العيش، ليحولوا المفوضية من مؤسسة روتينية إلى خلية أزمة أدارت طوفاناً بشرياً بكفاءة نادرة أدهشت المراقبين.
ولعل البصمة الأبرز التي تحسب للمفوض وفريقه تكمن في فرض السيادة الوطنية والانضباط الصارم على المشهد الإغاثي، وتوحيد جهود المنظمات الوطنية والدولية تحت بوصلة واحدة ومسار محدد تفرضه مصلحة النازح وأمن الولاية. نجح واراب في كسر فوضى التوزيع وعشوائية العمل الإنساني عبر المتابعة اللصيقة والدقيقة لمسارات الإمداد والمستودعات، وتنسيق حركة أكثر من مائة منظمة وطنية ونحو أربع وعشرين منظمة أممية ودولية. فرضت المفوضية أولويات الدولة ومجتمع كسلا على طاولات وكالات الإغاثة، فأغلقت الباب أمام أي استغلال للأزمة، ورسخت معادلة حاسمة مفادها: أن العمل الإغاثي ذراع ساندة لمعركة الكرامة، وأن إطعام الجائع وتضميد الجراح هو حصن الأمان الذي يحمي الجبهة الداخلية من التصدع.
غير أن سر النجاح الحقيقي في تجربة إدريس واراب لا يكمن في اللوائح والخطط فحسب، بل في ذلك البُعد الإنساني الفطري والعميق الذي طبع مسيرته وشخصيته. فالرجل لم يتعامل مع موقعه كمنصب بيروقراطي تصدر من خلفه التوجيهات؛ بل فتح قلبه وباب مكتبه على مصراعيه لكل قاصد وصاحب حاجة. ففي مشهد يومي مألوف يتكرر دون كلل، يظل بابه مشرعاً أمام البسطاء والمكلومين وأصحاب الظروف المعقدة من الوافدين وأهل الولاية على السواء؛ لم يُغلق يوماً في وجه محتاج، ولم يُردّ صاحب مظلمة أو حاجة خائباً، بل كان يُقابل الجميع بابتسامة تضمد الجراح، وبأناة وصبر وحلم جمّ، باحثاً عن المعالجة حتى لو اضطره الأمر في كثير من الأحيان إلى البذل المباشر من ماله الخاص دون منّ ولا رياء.
إن ما قدمه الأستاذ إدريس وكتيبته المخلصة في مفوضية العون الإنساني بكسلا لم يكن مجرد تصريف لأعمال إغاثية، بل هو وثيقة شرف وطنية ونموذج في الإدارة الرشيدة للأزمات في ظل شح الموارد والمخاطر الأمنية المعقدة. لقد أثبتوا عملياً أن النصر بالسلاح في الميدان لا يكتمل إلا إذا سنده صمود مجتمعي وتكافل إنساني يحفظ كرامة الإنسان السوداني في يوم كربته؛ فتحية اعتزاز واجبة لهذا المفوض الإنسان ولكل جندي مجهول في مفوضيته جعل من كسلا ملاذاً آمناً لآلاف الأسر المكلومة.