شاب يحاول الانتحار في كسلا.. من ينقذ شباب السودان من اليأس؟

بقلم / فخري فركاوي

7

لم يكن المشهد الذي شهدته ولاية كسلا اليوم مجرد حادثة عابرة، ولم تكن محاولة شاب لإنهاء حياته خبراً يصلح لأن يُقرأ ثم يُنسى مع بقية أخبار اليوم.

لقد أنقذه المواطنون والشرطة، وهذه هي النهاية التي نحمد الله عليها.

لكن السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو:

من الذي سينقذ آلاف الشباب من الوصول إلى اللحظة التي يفكرون فيها أصلاً في إنهاء حياتهم؟

هنا تكمن الكارثة.

فالشاب الذي يصل إلى حافة اليأس لا يولد يائساً، ولا يستيقظ ذات صباح راغباً في الموت. غالباً ما يكون قد خاض معركة طويلة في داخله؛ بحث عن فرصة، وانتظر عملاً، وطرق أبواباً، وشاهد أحلامه تتراجع أمامه، حتى أصبح المستقبل في عينيه أكثر ظلمة من الحاضر.

نحن أمام جيل سوداني يعيش حرباً لم يخترها، واقتصاداً منهكاً، وتعليماً مضطرباً، وبطالة خانقة، وارتفاعاً في تكاليف الحياة، وانسداداً في أبواب كثيرة.

ثم نسأل بعد ذلك: لماذا ييأس الشباب؟

هذا السؤال يجب أن يُطرح على الدولة والمجتمع قبل أن يُطرح على الشاب نفسه.

السودان بلد لا تنقصه الثروات.

لدينا الأرض والمياه والثروة الحيوانية والزراعة والمعادن والموقع الجغرافي والطاقة البشرية الهائلة. ولدينا شباب يستطيعون أن يحولوا أبسط الأفكار إلى مشروعات لو وجدوا من يفتح لهم الطريق.

المشكلة ليست دائماً في غياب الإمكانات.

المشكلة أن هذه الإمكانات لا تصل إلى الشباب في صورة فرص حقيقية ومستدامة.

شاب سوداني يمتلك الطاقة والذكاء والطموح، لكنه لا يجد مشروعاً يبدأ فيه، ولا تدريباً يحوله إلى منتج، ولا تمويلاً يساعده على الوقوف، ولا مؤسسة تحتضن فكرته، ولا سوقاً يستطيع أن يدخل إليه.

فيكبر السؤال داخل رأسه:

وماذا بعد؟

وهذا السؤال أخطر من البطالة نفسها.

لأن البطالة مشكلة اقتصادية، أما فقدان الأمل فهو مشكلة وطنية وأمن قومي.

وإذا تركنا هذه المشكلة تتسع، فإننا لا نواجه حالات فردية من اليأس، وإنما نقترب من أزمة اجتماعية أكبر.

الشباب هم أكبر طاقة كامنة في السودان، وهم في الوقت نفسه أكثر الفئات تعرضاً لخطر الضياع إذا لم يجدوا مشروعاً للحياة.

ولهذا فإن إدارات الشباب ليست إدارات هامشية كما يتعامل معها البعض، وليست مجرد مكاتب للأنشطة والاحتفالات والمهرجانات.

إدارة الشباب من أخطر الإدارات في الدولة.

لأنها تتعامل مع الطاقة التي يمكن أن تبني الوطن، أو مع الطاقة نفسها إذا تُركت بلا أفق.

الشاب الذي لا يجد فرصة قد يبحث عن أي باب مفتوح.

والذي لا يجد مشروعاً قد يصبح مشروعاً لغيره.

والذي لا يجد من يسمعه قد يجد من يستغله.

والذي يفقد الأمل يمكن أن يتحول من طاقة بناء إلى عبء على نفسه وأسرته ومجتمعه.

من هنا يجب أن تتغير فلسفة إدارات الشباب جذرياً.

نحن لا نحتاج إلى إدارة تسأل الشباب: ماذا تريدون أن نفعل لكم؟

بل نحتاج إلى إدارة تسأل:

ماذا تستطيعون أن تفعلوا لو وفرنا لكم الأدوات؟

هذه هي النقلة التي نحتاجها.

في كسلا مثلاً، لماذا لا تتحول برامج الشباب إلى مشروعات إنتاجية حقيقية مرتبطة بموارد الولاية؟

لماذا لا يكون لدينا حاضنات للمشروعات الشبابية الزراعية والحيوانية والبيئية والسياحية والتقنية؟

لماذا لا نربط الجامعات والمعاهد ومراكز التدريب بالقطاع الخاص والأسواق؟

لماذا لا تتحول بعض مشروعات النظافة والتشجير وإعادة التدوير والطاقة الشمسية إلى فرص عمل ومشروعات شبابية مستدامة بدلاً من أن تبقى مجرد حملات موسمية؟

ولماذا لا نبحث عن الشباب المبدعين في القرى والأحياء والمناطق الطرفية، بدلاً من انتظار أن يصل المبدع إلى مكاتب المسؤولين؟

نحن لا نحتاج إلى إعطاء الشباب سمكة كل مرة؛ نحتاج إلى أن نعطيهم فرصة للصيد، وسوقاً لبيع ما يصطادون، وتمويلاً يجعل المشروع قابلاً للاستمرار.

والأهم من ذلك كله: نحتاج إلى أن يشعر الشاب السوداني بأن لهذا البلد مكاناً له.

أن يعرف أن وطنه لا يطلب منه الصبر إلى ما لا نهاية، وإنما يعمل فعلياً على فتح أبواب المستقبل أمامه.

حادثة كسلا اليوم يجب أن تدق ناقوس الخطر.

ليس لأن شاباً حاول إنهاء حياته فحسب، وإنما لأن علينا أن نسأل أنفسنا: كم شاباً يعيش الآن اليأس نفسه، لكنه لم يصل بعد إلى حافة الانتحار؟

هذا السؤال يجب ألا يترك للشرطة، ولا للأسرة وحدها، ولا للأطباء، ولا لرجال الدين، ولا لمنظمات المجتمع المدني منفردين.

إنها مسؤولية مجتمع ودولة.

نحتاج إلى منظومة وطنية لاكتشاف الشباب الأكثر تعرضاً للعزلة واليأس، ومساحات آمنة للحوار، وبرامج للإرشاد النفسي والاجتماعي، ومراكز للشباب تعمل طوال العام، والأهم من ذلك كله: مشروعات تمنح الشباب سبباً للاستيقاظ صباحاً.

فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده.

الشاب يحتاج إلى أن يشعر بأنه مهم، وأن لديه دوراً، وأن جهده يمكن أن يصنع فرقاً، وأن الغد يحمل احتمالاً أفضل من اليوم.

ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد البطالة.

إنها معركة ضد اليأس.

والسودان الذي يمتلك كل هذه الثروات لا يجوز أن يكون فيه شاب يشعر أن الموت أقرب إليه من فرصة العمل.

بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث في بلد غني بالموارد وفقير في استثمارها هو أن يتحول شبابها من ثروة وطنية إلى طاقة معطلة.

علينا أن نفهم الرسالة التي جاءت من كسلا اليوم.

أنقذنا شاباً من الموت، وهذا عمل عظيم. لكن المهمة الأكبر أن ننقذ جيلاً كاملاً من الوصول إلى اليأس.

وذلك لن يحدث بالخطابات.

سيحدث عندما نفتح للشباب أبواب العمل، ونحتضن أفكارهم، ونمول مشروعاتهم، ونثق في قدراتهم، ونمنحهم مساحة حقيقية للمشاركة في صناعة القرار.

وعندما تصبح إدارات الشباب مصانع للأفكار والمشروعات والفرص، لا مجرد إدارات للبرامج الاحتفالية.

لقد أعطى السودان شبابه الكثير من طاقتهم ووقت شبابهم.

والآن حان الوقت لكي يعطيهم شيئاً في المقابل:

وطناً يرون فيه مستقبلاً.

فالشاب الذي يرى أمامه طريقاً للحياة، لن يبحث عن طريق إلى نهايتها.

وإنقاذ الشباب من اليأس اليوم ليس قضية اجتماعية فحسب؛ إنه دفاع عن مستقبل السودان نفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.