السقوط في فخ التواطؤ الإقليمي ومعركة البقاء السودانية

بقلم د. طاهر موسى الحسن 

2

لم تعد الحرب المفروضة على الدولة السودانية مجرد تمرد داخلي تتهاوى أركانه وتتلاشى قدراته في الميدان، بل تجلت في أبهى صور الوضوح كمؤامرة استنزاف إقليمية كبرى، تُدار وتُموَّل من غرف عمليات عابرة للحدود، وتوفر لها بعض دول الجوار منصات انطلاق عسكرية ولوجستية مباشرة لخرق السيادة والعدوان. إن ما كشفه التقرير الاستقصائي الأخير الصادر عن مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل الأمريكية والمدعوم بصور الأقمار الصناعية عالية الدقة، لا يمثل رصداً استخبارياً عابراً، بل هو وثيقة إدانة جنائية واستراتيجية دامغة تفضح تورط الحكومة الإثيوبية الصريح، وتضع المنظومة الدولية أمام مسؤولياتها التاريخية، كاشفةً في الوقت ذاته ازدواجية المعايير والصمت المريب لدوائر القرار الغربية.

تكشف الأدلة الفضائية والبيانات الموثقة بين شهري يونيو وأغسطس عن تحول هيكلي خطير داخل قاعدة الجيش الإثيوبي في مدينة أصوصا بإقليم بني شنقول المتاخم لولاية النيل الأزرق السودانية؛ حيث تم رصد مضاعفة العتاد الحربي بأكثر من ستة أضعاف، وتدفق ما يزيد على مئة سيارة دفع رباعي مجهزة تسليحياً بالكامل ونحو خمس عشرة مدرعة لنقل الجند، فضلاً عن اكتمال تشييد حظائر تخزين عملاقة وتفريغ عشرات حاويات الشحن وشاحنات النقل الثقيلة المتأهبة للتحرك عبر الحدود. ويؤكد التقرير الاستقصائي الصادر عن جهة أمريكية محايدة أن هذا الحشد اللوجستي الضخم الذي يعادل قوة ضاربة بقوام لواء كامل ليس موجهاً للدفاع الوطني الإثيوبي، بل جرى إعداده وتسليمه لمليشيا آل دقلو لفتح جبهة عدوانية مباغتة تستهدف مدينة الدمازين والعمق الاستراتيجي للنيل الأزرق.

يعكس هذا التحرك نحو ولاية النيل الأزرق في هذا التوقيت حالة الإفلاس العملياتي التي تعاني منها المليشيا ورعاتها؛ فبعد الضربات القاصمة التي تلقتها في محاور شمال كردفان، وفك الطوق عن الأبيض، وكسر شوكتها في الفاشر وسنار، تسعى غرف العمليات الإقليمية إلى فتح جبهة استنزاف موازية لإجبار القيادة العسكرية السودانية على تشتيت جهودها الدفاعية والهجومية، وتهديد سد الروصيرص والمشاريع الزراعية الحيوية، وافتعال كارثة إنسانية بدفع موجات نزوح قسري واسعة عبر الحدود لتحقيق أوراق ضغط تفاوضية سقطت في ميادين القتال الحقيقية.

إن إتاحة الأراضي والمنشآت العسكرية الإثيوبية لتكون معسكراً لتدريب وتسليح مرتزقة يمارسون التطهير العرقي ويدمرون مؤسسات دولة شقيقة، يُسقط نهائياً أي ادعاء بالحياد من جانب أديس أبابا. ووفقاً للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، فإن توفير القواعد والممرات اللوجستية لقوات متمردة يُعد عملاً عدوانياً صريحاً واشتراكاً مباشراً في جرائم الحرب المرتكبة، كما يمثل رضوخاً لأموال الدعم الخارجي القادمة من أبوظبي ومقامرة أمنية فادحة؛ فالنيران التي تسهم إثيوبيا في إشعالها بالسودان لن تقف عند حدود الدمازين، بل سترتد حتماً إلى العمق الإثيوبي الهش والمحتقن بأزماته الداخلية المتفجرة.

وهنا يبرز التساؤل الحاسم الموجه إلى مستشاري الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتهم تاجر الخردة مسعد بولس، وكل المتباكين على الوضع الإنساني في الدوائر الغربية: كيف تُبنى الاستراتيجيات الدبلوماسية وتُعقد المؤتمرات الدولية بينما تغض واشنطن الطرف عن شرايين الإمداد الإقليمية المفضوحة بالأقمار الصناعية لأعرق جامعاتها؟ إن هذا التغاضي المريب حين تصبح الأدلة أمريكية موثقة لا يفسره العقل الاستراتيجي إلا كغطاء سياسي لاستمرار نزيف الدم السوداني واستكمال مخطط تدمير مقدرات الدولة.

لكن ما غاب عن غرف التخطيط الإقليمية والتآمر الخارجي هو الحقيقة الجوهرية الكبرى التي تحكم هذا الصراع؛ فهذه المعركة لم تعد معركة مؤسسة عسكرية وحدها، بل هي معركة وجود ومصير وطني جامع لشعب كامل، شعارها الأوحد والراسخ: نكون أو لا نكون. يقف الشعب السوداني الأبي، بقبائله وأطيافه الحرة كافة، إلى جانب المقاومة الشعبية الباسلة والقوات المساندة وحركات الكفاح الوطني، صفاً واحداً وخندقاً لا ينكسر خلف قواته المسلحة السودانية، مجسدين أعظم ملاحم الدفاع عن الأرض والعرض.

إن التاريخ العسكري والاستراتيجي يُسجل بوضوح أنه ما من قوة على وجه الأرض، مهما بلغ عتادها وتعاظمت أموالها وحيكت مؤامراتها في الغرف المظلمة، تستطيع أن تنتزع كرامة شعب قرر أن يدافع عن بقائه وسيادته حتى آخر رمق. وولاية النيل الأزرق، بعزيمة جيشها وبسالة مستنفريها وشرفائها، لن تكون جسراً للغزاة والمرتزقة، بل ستكون مقبرة جديدة تُدفن فيها أوهام التوسع الإقليمي؛ فالسودان باقٍ بمؤسساته وبإرادة شعبه العصية على الانكسار، بينما سيمضي المتآمرون وأدواتهم إلى مزبلة التاريخ ودرك الخزي والعار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.