القائد العام في عيد الجيش.. بين بندقية الحرب وطاولة الحوار

بقلم / دكتور طاهر موسي الحسن 

8

ليس من السهل قراءة خطاب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في عيد القوات المسلحة باعتباره خطاب مناسبة عسكرية فالفريق أول البرهان ، وهو يتحدث في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ السودان الحديث، لم يكن يخاطب العسكريين وحدهم، ولم يكن يخاطب خصومه السياسيين وحدهم؛ كان يخاطب الداخل السوداني كله، كما كان يرسل إشارات واضحة إلى الخارج.

والرسالة الأهم في الخطاب، في تقديري، ليست في الكلمات التي قيلت عن الحرب وحدها، ولا في الحديث عن السلام وحده، وإنما في الجمع بين المسارين في خطاب واحد: بندقية مفتوحة على الميدان، وباب موارب أمام السياسة.

وهنا تكمن أهمية الخطاب.

فالبرهان لم يقدم السلام باعتباره بديلاً عن القوة العسكرية، كما لم يقدم استمرار الحرب باعتباره إغلاقاً نهائياً للباب السياسي. بل حاول أن يرسم معادلة جديدة تقول إن الوصول إلى السلام لا يعني العودة إلى الوضع الذي سبق الحرب، ولا يعني منح القوى المسلحة التي شاركت في القتال موقعاً سياسياً يفرضه ميزان القوة.

وهذه نقطة جوهرية.

السلام الذي يريده الفريق أول البرهان ليس سلاماً بأي ثمن

من الواضح أن سيادته أراد أن يضع تعريفاً للسلام قبل الدخول في أي مسار تفاوضي. وهذا في حد ذاته موقف تفاوضي محسوب.

فالسلام في مثل هذه الحرب لا يبدأ دائماً من طاولة التفاوض؛ أحياناً يبدأ من تحديد ما الذي يمكن التنازل عنه وما الذي لا يمكن التنازل عنه.

الخطاب حمل رسالة واضحة: السودان يريد السلام، لكنه لا يريد سلاماً يعيد إنتاج أسباب الحرب.

وهذه الرسالة موجهة في اتجاهين؛ إلى الداخل حتى لا يُفهم الحديث عن الحوار باعتباره تراجعاً عسكرياً، وإلى الخارج حتى لا تتحول المبادرات الدولية إلى وسيلة لفرض صيغة سياسية لا تجد قبولاً سودانياً.

لكن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.

فرفض السلام المنقوص لا يكفي وحده لصناعة السلام الكامل. المطلوب أن تتحول هذه الرؤية إلى مشروع سياسي واضح، يحدد شكل الدولة بعد الحرب، وكيف تُدار المرحلة الانتقالية، ومن يشارك فيها، وكيف تتم معالجة ملف السلاح، وكيف يُعاد بناء المؤسسات التي أصابتها الحرب بالهشاشة.

أكثر ما يستحق التوقف عنده في الخطاب هو الدعوة إلى حوار سوداني ـ سوداني، مع الإشارة إلى ألا تكون الدولة هي التي تفرض أطرافه أو أجندته أو مخرجاته.

إذا نُفذ هذا الأمر كما قيل، فقد يكون خطوة مهمة.

فالسودان لا تنقصه المبادرات، ولا تنقصه المؤتمرات، ولا تنقصه البيانات التي تتحدث عن الحوار. ما ينقصه هو حوار لا يكون مجرد غرفة مغلقة تتقاسم فيها النخب المقاعد، ثم تخرج بتسوية لا يشعر المواطن أن له علاقة بها.

الحوار الحقيقي لا يستثني أحد يجب أن يكون أوسع من القوى السياسية التقليدية. يجب أن يسمع صوت الإدارات الأهلية، والمرأة، والشباب، والمهنيين، والنازحين، والمقاتلين من القوات المساندة، والقوات النظامية، وأصحاب المبادرات المجتمعية، وأقاليم السودان المختلفة.

السودان الذي خرج من هذه الحرب ليس هو السودان الذي دخلها.

ولذلك فإن محاولة إعادة تركيب المشهد السياسي القديم، بأسماء قديمة ووجوه قديمة وتحالفات قديمة، ستكون خطأ استراتيجياً لا يقل خطورة عن أخطاء ما قبل الحرب.

الخطاب لم يتجاوز قضية السلاح، وهي القضية التي ستحدد شكل الدولة السودانية لعقود قادمة.

فلا يمكن بناء دولة مستقرة بوجود جيوش متعددة ومراكز قوة مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدولة.

وهذه ليست قضية سياسية فحسب؛ إنها قضية أمن قومي.

الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم والسلاح، تظل دولة ناقصة السيادة مهما امتلكت من مؤسسات دستورية.

لكن معالجة هذا الملف تحتاج إلى عقل بارد، وليس إلى شعارات.

فالمطلوب ليس فقط جمع السلاح، وإنما بناء منظومة متكاملة تشمل الترتيبات الأمنية، وإعادة الدمج والتسريح، وإعادة بناء القوات المسلحة، ومعالجة أوضاع من لم يتورطوا في الجرائم، وفي الوقت نفسه عدم السماح بأن تتحول المصالحات السياسية إلى بوابة للإفلات من العقاب.

وهنا يجب التفريق بوضوح بين المصالحة الوطنية والعدالة.

لا يمكن أن تكون العدالة ضحية للسلام، كما لا يمكن أن يصبح طلب العدالة ذريعة لإغلاق كل أبواب السلام.

الخطاب حمل أيضاً دلالة مهمة تتعلق بمستقبل القوات المسلحة.

لقد كشفت الحرب أن الجيش السوداني لم يعد ينظر إليه كثير من السودانيين باعتباره مؤسسة عسكرية فقط، بل أصبح بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع رمزاً لبقاء الدولة نفسها.

وهذه حقيقة سياسية يجب التعامل معها ووضع الاعتبار لها. فالمطلوب بعد الحرب أن تخرج القوات المسلحة أكثر قوة ومهنية وتماسكاً، كما يجب أن تخرج الدولة أكثر قوة ومؤسسية.

فالانتصار العسكري الحقيقي لا يكتمل بمجرد إسكات المدافع.

الانتصار الحقيقي هو أن تصبح الدولة بعد الحرب أقوى من الدولة التي كانت قبلها، وأن يصبح الجيش أكثر قوة، وأن تصبح المؤسسات أكثر قدرة، وأن يشعر المواطن أن الدولة موجودة في المدرسة والمستشفى والشارع والقانون، وليس فقط في الثكنة الغسكرية وميدان المعركة.

ومن زاوية عسكرية، فإن استمرار الفريق أول البرهان في التأكيد على مواصلة العمليات وعدم التراجع عن أهداف الحرب يحمل معنى واضحاً.

في الحروب الطويلة، الخطاب السياسي للقيادة العسكرية جزء من إدارة المعركة نفسها.

رفع المعنويات، المحافظة على تماسك الجبهة الداخلية، طمأنة القوات، وإظهار أن القيادة لا تتعامل مع التفاوض باعتباره بديلاً عن الميدان، كلها عناصر لها تأثير مباشر على ميزان الحرب.

لكن هناك جانباً آخر يجب الانتباه إليه.

كلما طال أمد الحرب، ارتفعت كلفة النصر العسكري، وازدادت فاتورة إعادة الإعمار، واتسعت الفجوة الاجتماعية والاقتصادية.

ولهذا فإن القيادة تتدرك كيف تنهي الحرب بأقل كلفة ممكنة، وكيف تحول الانتصار العسكري إلى استقرار سياسي!.

هناك درس آخر ينبغي أن يكون حاضراً في أي مرحلة سياسية مقبلة: السودان ليس الخرطوم.

هذه الحرب نفسها أثبتت أن الولايات والأقاليم ليست مجرد أطراف تنتظر ما تقرره العاصمة.

ولذلك فإن أي حوار سوداني حقيقي يجب أن ينتقل من مركزية القرار إلى المشاركة الواسعة.

ولايات مثل كسلا، القضارف، نهر النيل، الشمالية، البحر الأحمر، النيل الأزرق والنيل الأبيض وغيرها، ليست مجرد جغرافيا على خريطة الدولة؛ لديها رؤى ومصالح ومخاوف وتصورات مختلفة لمستقبل السودان.

والولايات التي تحملت أعباء الحرب والنزوح والاستنفار والدعم المجتمعي للقوات المسلحة، يجب ألا يكون دورها بعد الحرب مجرد استقبال القرارات القادمة من الخرطوم. من هنا، فإن الحديث عن الحوار السوداني ـ السوداني ينبغي أن يعني بالفعل حواراً من الخرطوم إلى الأطراف، ومن الأطراف إلى الخرطوم، وليس حواراً مركزياً باسم السودان.

اللحظة التي تلي الخطاب أهم من الخطاب نفسه

الخطابات السياسية مهما كانت قوية لا تصنع التاريخ وحدها.

الذي يصنع التاريخ هو ما يأتي بعدها.

والاختبار الحقيقي أمام قيادة الدولة الآن هو:

هل يبدأ الحوار فعلاً؟

هل توضع معايير واضحة للمشاركة؟

هل تتم حماية المشاركين؟

هل يتم الفصل بين من يريد السلام ومن يريد إعادة إنتاج الحرب؟

هل يبدأ إعداد تصور متكامل لمرحلة ما بعد الحرب؟

هل يعاد بناء المؤسسات؟

هل تتم معالجة قضية النازحين واللاجئين؟

هل تبدأ عملية إعمار حقيقية؟

وهل يتم وضع أساس لدولة لا تسمح بتكرار تجربة وجود السلاح خارج مؤسساتها؟

الخطاب، في جوهره، يعكس مرحلة انتقالية دقيقة: الدولة تريد أن تثبت أنها قادرة على حسم الحرب، وفي الوقت نفسه تريد أن تفتح منفذاً سياسياً يمنع الحرب من التحول إلى حالة دائمة.

وهذا ليس تناقضاً بالضرورة.

في الاستراتيجيات العسكرية والسياسية، كثيراً ما يكون امتلاك القوة هو الذي يفتح الطريق إلى تفاوض أكثر توازناً، لكن القوة وحدها لا تنتج دولة مستقرة.

القوة تحسم المعركة، والسياسة تصنع السلام، والمؤسسات تحميه.

فالحرب مهما طال أمدها لها نهاية وهي ترتيبات استسلام المليشيا.

أما الدولة، فتبقى.

ولهذا فإن أعظم انتصار يمكن أن تحققه القيادة السودانية ليس فقط إنهاء التمرد عسكرياً، وإنما بناء دولة تجعل تكرار الحرب أمراً بالغ الصعوبة.

ذلك هو الاختبار الحقيقي لخطاب السيد البرهان، وذلك أيضاً هو الاختبار الحقيقي لكل القوى السودانية.

فإذا كان عيد القوات المسلحة قد جاء هذه المرة في ظل حرب كالعامين السابقين، فإن الأمل أن يأتي العيد القادم والسودان قد بدأ يطوي صفحة البندقية، ويفتح صفحة الدولة؛ دولة لا يحكمها السلاح، ولا تستورد قرارها من الخارج، ولا تعيد إنتاج أزماتها القديمة، وإنما تستند إلى جيش وطني قوي، ومؤسسات راسخة، وحوار سوداني صادق، وإرادة وطنية تعرف أن السلام ليس استسلاماً، وأن النصر الحقيقي ليس أن يهزم سوداني سودانياً، بل أن ينتصر السودان على أزمته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.