وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي ….يكتب : الصحافة والحكومة… شراكة المساءلة
ألغت محافظ بنك السودان، آمنة ميرغني، الترخيص الممنوح لشركة “العسجد للحلول الذكية والرقمية” للعمل كمحول معاملات مالية ومنصة مدفوعات إلكترونية، وذلك عقب مراجعة فنية وقانونية شاملة انتهت إلى عدم استمرار التصديق وفق المعايير التنظيمية المعتمدة. وأكد البنك في بيان أمس أن تراخيص أنظمة الدفع لا تمنح حقًا تلقائيًا في التشغيل، بل تظل خاضعة للرقابة والموافقات المستمرة طوال فترة سريانها، في إطار نهج يستهدف ضبط القطاع وتعزيز الالتزام بالضوابط الفنية والمالية.
يناقش هذا المقال دلالات القرار، بوصفه مدخلًا للعلاقة بين الصحافة والحكومة، وكيف يمكن للرأي العام أن يسهم في ترسيخ الشفافية وبناء الثقة.
لم يكن قرار إلغاء ترخيص شركة العسجد نهايةً للجدل الذي صاحب منحها التصديق، بل أعاد طرح السؤال الأهم: كيف استوفت الشركة متطلبات التأهيل منذ البداية، وما مدى مسؤولية الجهات المعنية عن المضي في توقيع الاتفاق خلال احتفالية رسمية بحضور قيادات حكومية؟ والإجابة عن هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة قرار الإلغاء، بل تؤكد أن الحوكمة تبدأ بمراجعة القرار منذ لحظة صنعه، واستيعاب الرأي العام بوصفه شريكًا في التصويب لا عبئًا على مؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، يتجاوز القرار حدود الترخيص ليؤسس لعلاقة أكثر نضجًا بين الحكومة والصحافة، قوامها الشفافية والمساءلة.
أثار توقيع العقد نقاشًا إعلاميًا واسعًا، شارك فيه عدد من الصحفيين والخبراء، وتصدره الصحفي الاستقصائي عزمي عبد الرازق عبر سلسلة مقالات تناولت الحوكمة والسيادة الرقمية وأمن المعلومات وإجراءات منح التراخيص، وكشفت إشكالات تتعلق بسلامة الإجراءات. وجاءت هذه المعالجات في إطار مهني يهدف إلى تعزيز حق المعرفة واختبار كفاءة المنظومة الإدارية . ولا يمكن الجزم بوجود أثر مباشر لما نُشر على القرار، غير أن هذا التفاعل الإعلامي يعكس دور الصحافة والفضاء الرقمي في تحفيز مراجعة السياسات العامة، بما يؤكد حيوية الدولة لا ضعفها.
ولعل ذلك يعيد إلى الأذهان ما طرحناه في مقال “العقود بين الشفافية والأمن القومي”، حيث أوضحنا أن الشفافية في العقود الحكومية لا تكشف في حينها كافة التفاصيل، بل منظومة مؤسسية توازن بين مقتضيات الأمن القومي وحق المجتمع في المعرفة، فتظل السرية استثناءً تفرضه ضرورات التفاوض، وتبقى المساءلة هي الأصل بعد زوالها. واليوم تقدم هذه القضية امتدادًا عمليًا للفكرة نفسها، فالمساءلة ليست نقيضًا للسرية المشروعة، بل الضمانة لمشروعيتها، كما أن الشفافية لا تكتمل بالنشر وحده، وإنما بقدرة المؤسسات على المراجعة والتصحيح كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
لكن من المهم أن لا يتعلق الأمر بما حدث، وإنما بما ينبغي أن يحدث. فإذا كانت هذه الواقعة قد فتحت نافذة لحوار بين الصحافة والحكومة، فإن التحدي يكمن في تحويلها من استجابة لحدث إلى سياسة دولة. فالدول لا تُدار بردود الأفعال، وإنما على تقاليد مستقرة، تجعل المساءلة ممارسة، لا ترتبط بضغط إعلامي أو ظرف سياسي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ المساءلة الاستباقية، باعتبارها نهجًا يراجع السياسات قبل أن تتحول إلى أزمات، ويفتح قنوات للتفاهم بين الدولة والإعلام والرأي العام، لتصبح الصحافة شريكًا في الوقاية من الخلل لا مجرد راصد لنتائجه. وتزداد أهمية هذا النهج مع اتساع الاستثمار في التعدين والطاقة والبنية التحتية، إذ لا يكفي التمويل وحده، بل لا بد من بناء الثقة على الحوكمة والشفافية، وإلاعلام المهني المستقل.
ولا تقف دلالات هذه الواقعة عند حدود ادارة بنك السودان ، بل تمتد إلى الأمن الاقتصادي، إذ إن تذبذب القرارات أو التراجع عن اتفاقات أُعلنت رسميًا قد يربك بيئة الاستثمار ويؤثر في ثقة السوق. ومع اقتراب مرحلة إعادة الإعمار، تصبح الحاجة ملحة إلى ضوابط مؤسسية تُحكم فحص العقود قبل إعلانها، وتوحد قرار الدولة، حتى يظل التصحيح استثناءً يعزز المصداقية، لا نتيجةً لقصور في إجراءات التأهيل أو التقييم.
وفي هذا السياق، لا تُعد الصحافة خصمًا للدولة ولا بديلاً عن مؤسساتها، بل أداة إنذار مبكر تكشف مواطن الاختلال قبل تفاقمها. كما أن استجابة الحكومة للنقد المهني تعكس قوتها لا ضعفها، لأن جوهر قوة الدولة يكمن في قدرتها على الإصغاء والتصحيح. ومع دخول السودان مرحلة إعادة الإعمار، يتضح أن التحدي الأعمق لا يتعلق بالبنية المادية وحدها، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، في إطار يحكمه القانون وتدعمه الشفافية ويوازن فيه النقد مع الإصلاح ضمن منظومة حوكمة متكاملة.
حين تُرسَّخ المساءلة كثقافة لا كإستجابة، بحسب #وجه_الحقيقة تتحول الصحافة إلى ضميرٍ مهنيٍّ للحماية، وتغدو الحكومة أكثر ثقةً بقدرتها على التصحيح، وتستعيد الشفافية معناها بوصفها أداة بناء لا عنصر إضعاف. وعندها فقط تستقر معادلة الدولة: حوكمةٌ تُدار بالعقل، وثقةٌ تُصان بالشفافية، وأمنٌ قوميٌّ يتكامل مع المساءلة في مشروعٍ واحد لبناء بلادنا .
دمتم بخير وعافية.
الأحد 5 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#الصحافة_والحكومة
#المساءلة
#الشفافية
#الحوكمة
#بنك_السودان
#الأمن_الاقتصادي
#إعادة_الإعمار
#الإعلام_المهني
#السودان
#إبراهيم_شقلاوي