في لحظة فارقة من تاريخ السودان، كان يمكن لكتلة “تقدّم” أن تكون في طليعة القوى الوطنية، رافعةً رايات الحرية والعدالة، لكنها اختارت الطريق الأسوأ: التحالف مع مليشيا آل دقلو المجرمة، تلك الجماعة التي ارتبط اسمها بالدمار والقتل العشوائي والانتهاكات الجسيمة.
كيف يمكن لتيار يدّعي المدنية أن يضع يده في يد من لا يملك من أدوات السياسة سوى العنف؟ كيف يمكن لمن يرفعون شعارات الديمقراطية أن يتحالفوا مع مليشيا لم ترَ في السودان سوى غنيمة، ولم ترَ في شعبه سوى هدفٍ لبطشها؟
لقد كان رهان تقدّم على مليشيا الدعم السريع رهانًا على الفوضى. اعتقدت هذه النخبة أن حميدتي ومجموعته المسلحة يمكن أن يكونوا جسراً للعودة إلى السلطة، لكن هذا التحالف لم يكن إلا مسمارًا في نعش مصداقيتها. وسرعان ما بدأ هذا المشروع الهشّ في الانهيار أمام صمود وتقدم القوات المسلحة والقوات المساندة لها، فانقسمت تقدّم على نفسها إلى معسكرين:
• معسكر أديس أبابا: يحاول التنصل من التشكيل الحكومي، مدركًا أن هذه الخطوة ستؤدي إلى مزيد من العزلة السياسية. يسعى أفراده إلى التمسك بما تبقى من شرعية مدنية زائفة، وإعادة ترتيب أوراقهم مع الجيش على أمل العودة إلى المشهد، لكنهم بلا أرضية سياسية حقيقية بعد أن فقدوا مصداقيتهم بسبب دعمهم لمجرمين قدم اغلبهم من خارج حدود السودان.
• معسكر نيروبي: يضم من احترقت أوراقهم بالكامل، وهم الذين اختاروا أن يكونوا جزءًا من مشروع تشكيل حكومة في ظل الخراب، في خطوة يائسة تخدم المليشيا أكثر مما تخدمهم.
لم يكن تحالف تقدّم مع مليشيا آل دقلو مجرد خطأ سياسي، بل سقوطًا مدوّيًا أخلاقيًا وقيميًا. كان الأجدر بها أن تضع يدها في يد الشعب الذي يعاني القتل والتشريد، لكنها بدلاً من ذلك اصطفّت مع مشروع لا يعرف إلا الموت والدمار.
لقد خسرت تقدّم فرصة أن تكون في صف الوطن حين كان الشعب يحتاج إلى صوتٍ يعبر عن آلامه، وعقلٍ يدافع عن حقوقه. اختارت أن تكون جزءًا من مشروع مليشياوي لا يؤمن إلا بمنطق القوة. وأثبتت أن ادعاءها الديمقراطية لم يكن سوى غطاء زائف لمصالح ذاتية ضيقة.
تداعيات التحالف المشؤوم
هذا التحالف ألقى بظلاله داخليًا وإقليميًا:
• داخليًا: أضاع السودان فرصًا كثيرة للخروج من أزماته بسبب رهانات تقدّم الخاطئة. دعمها لمليشيا ارتكبت جرائم اغتصاب ونهب وتهجير وإتلاف للمؤسسات العامة جعلها جزءًا من المشكلة، لا جزءًا من الحل.
• إقليميًا ودوليًا: رغم دعم بعض القوى لمشروع تقسيم السودان وإضعافه، باتت تنظر ل”تقدّم” ككيان هش غير جدير بالثقة. في المقابل، حصد الجيش السوداني احترام العالم، خاصة الولايات المتحدة، التي باتت تدرك أن المؤسسة العسكرية هي الوحيدة القادرة على حماية وحدة السودان واستقراره.
الجيش يحسم المعركة.. والوطن ينتصر
على الأرض، تتساقط مليشيا الدعم السريع يومًا بعد يوم. التقدم الذي يحققه الجيش في جبهات عدة – من جبل مويه إلى سنجة وود مدني، مرورًا ببحري وأم درمان وكردفان والفاشر – لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل رسالة واضحة: لا مكان للفوضى في مستقبل السودان.
هذا التقدم لم يكن فقط عسكريًا؛ بل أعاد رسم الصورة الإقليمية والدولية للسودان. بات الجيش رمزًا للشرعية والاستقرار، بينما تراجع الدعم السريع إلى مجرد مليشيا محاصرة، تفقد سيطرتها وشعبيتها مع كل يوم يمر.
التاريخ لا ترحم
سيذكر التاريخ أن تقدّم اختارت الاصطفاف مع قاتل ومغتصب الشعب بدلًا من الانحياز إليه. سيبقى تحالفها مع مليشيا آل دقلو وصمة عار تطاردها، لا يمكن محوها بالتبريرات ولا بإعادة صياغة المواقف.
كان بإمكانها أن تكون جزءًا من مشروع إخراج السودان من أزمته، لكنها اختارت الطريق الخاطئ، وراهنت طمعاً على قوة تحترف التخريب والتدمير.
أما السودان، فسينهض رغم كل الخيانات، لأن الأوطان تُبنى بالدماء لا بالمساومات.
عبدالله إسماعيل