سلسلة مقالات في السيادة والسلام والقرار الوطني (4) من يكتب مستقبل السودان؟ ..بقلم :دكتور طاهر موسى
سلسلة مقالات في السيادة والسلام والقرار الوطني (4)
من يكتب مستقبل السودان؟
قد يبدو السؤال بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة واحد من أخطر الأسئلة التي تواجه البلاد في هذه المرحلة.
فالسودان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي.
حرب طاحنة ما تزال تلقي بظلالها على أجزاء واسعة من البلاد، وتحولات سياسية كبيرة تتشكل في الأفق، ومبادرات إقليمية ودولية تتنافس على تقديم تصورات للحل، بينما يظل السؤال قائماً:من الذي سيحدد شكل السودان الذي سيولد بعد هذه الحرب؟
هل سيكتبه السياسيون وحدهم؟أم العسكريون وحدهم؟أم الوسطاء الدوليون؟أم القوى الإقليمية صاحبة المصالح؟
أم أن السودانيين أنفسهم يجب أن يكونوا أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة؟
من المؤسف أن كثيراً من القضايا المصيرية في تاريخ السودان الحديث جرى التعامل معها باعتبارها شأناً سياسياً يخص النخب الحاكمة أو القوى المتفاوضة فقط، بينما ظل المجتمع الأكاديمي والفكري والبحثي في كثير من الأحيان بعيداً عن دوائر التأثير الحقيقية.
والنتيجة أن كثيراً من القرارات الكبرى صيغت تحت ضغط اللحظة السياسية، لا تحت هدي الدراسات والرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى.
بينما تؤكد تجارب الأمم أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها الكبرى لم تعتمد على السياسيين وحدهم، بل استعانت بمراكز التفكير والجامعات والخبراء والباحثين وأصحاب المعرفة.
في جنوب أفريقيا لم يكن الانتقال التاريخي مجرد اتفاق سياسي، بل شاركت فيه عقول قانونية وأكاديمية وفكرية ساهمت في بناء النموذج الجديد للدولة.
وفي رواندا لم تكن عملية إعادة البناء بعد المأساة مجرد قرار حكومي، بل مشروعاً وطنياً شاركت فيه الجامعات والخبراء ومؤسسات المجتمع المختلفة.
وفي دول عديدة خرجت من الحروب والنزاعات، لعبت مراكز الدراسات والبحوث أدواراً لا تقل أهمية عن أدوار السياسيين أنفسهم.
أما في السودان، فإننا نملك ثروة كبيرة من العقول والخبرات، لكنها لا تجد دائماً المساحة التي تستحقها في النقاش العام.
لدينا أساتذة جامعات وباحثون وخبراء في الاقتصاد والقانون والعلاقات الدولية والأمن القومي والتنمية والإدارة العامة والعلوم الاجتماعية. ولدينا مراكز بحثية وكفاءات وطنية داخل السودان وخارجه.
لكن السؤال هو: هل نستفيد من هذه الثروة الفكرية كما ينبغي؟
وهل يمكن أن نبني سلاماً مستداماً أو دولة قوية دون أن تكون المعرفة جزءاً من عملية صناعة القرار؟
أعتقد أن الإجابة واضحة.
ولهذا فإنني أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب إطلاق حوار وطني فكري واستراتيجي واسع، لا يكون هدفه التنافس السياسي أو البحث عن مواقع السلطة، وإنما التفكير في السودان الذي نريده بعد الحرب.
حوار يشارك فيه الأكاديميون والباحثون والمثقفون والخبراء إلى جانب السياسيين وأصحاب القرار.
حوار يناقش أسئلة الدولة لا أسئلة السلطة فقط.كيف نبني دولة مستقرة؟ كيف نحمي وحدتها الوطنية؟كيف نعالج جذور الصراعات؟
كيف نبني اقتصاداً قادراً على النهوض؟ كيف نعيد الثقة بين مكونات المجتمع؟
وكيف نحافظ على استقلال القرار الوطني وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينتهي القتال بينما يظل السودانيون غائبين عن النقاش حول مستقبل بلادهم.
وأخطر من ذلك أن تظل العقول الوطنية متفرجة بينما تُصاغ التصورات الكبرى في أماكن أخرى.
إنني لا أدعو هنا إلى إنشاء كيان جديد أو منصة سياسية جديدة، وإنما أدعو إلى إطلاق نقاش وطني واسع حول مستقبل السودان.
نقاش لا يحتكره أحد. ولا يُقصى منه أحد.ولا تديره المصالح الضيقة.وإنما يكون هدفه الوحيد هو البحث عن أفضل السبل لبناء دولة قوية ومستقرة وعادلة. لقد انشغل السودانيون خلال السنوات الماضية بالسؤال: من يحكم السودان؟ وربما آن الأوان لطرح سؤال أكثر أهمية:
كيف نُبقي السودان نفسه؟لأن الحفاظ على الدولة هو الشرط الأول لأي حديث عن السياسة أو السلطة أو السلام.
وفي تقديري أن مستقبل السودان لا ينبغي أن يكتبه طرف واحد، ولا مؤسسة واحدة، ولا جماعة واحدة.
مستقبل السودان يجب أن يكتبه السودانيون جميعاً. بفكرهم. وخبراتهم. وحوارهم.وإيمانهم بأن هذا الوطن يستحق مستقبلاً أفضل من ماضيه.ولعل هذه هي المهمة الكبرى التي تنتظرنا جميعاً بعد أن تضع الحرب أوزارها.