*حديث السبت.* 6 يونيو 2026م كتب/ يوسف عبدالمنان.دقريس و100 ألف في سجون المليشيا !!.

1

 

 

■ صراع البني هلبة السلامات، من نيالا الي بوركينا فاسو!!

 

📌 ظل الدكتور عبدالله علي ابراهيم الباحث والعالم، يرفد الوعي الجمعي لأهل السودان كل صباح ومساء، بمقالة ينتقي عباراتها من مخزون معرفته العميقة بالشأن السياسي منذ نصف قرنٍ من الزمان، وعبدالله على ابراهيم نسيج وحده في الإضافة للمكتبة السودانية، لكل عام كتابٌ يثير الجدل بين قادحٍ ومادحٍ.

1️⃣

وقبل شهرٍ سألني بروفيسور عبدالله عن قصة سجن دقريس في نيالا وماذا يجري فيه، وحينها أطلقت المليشيا عدداً من السجناء من غياهبه، ومن سخريات المليشيا وعجائبها أنها بثت مقاطع مصورة للسجناء، وقد نحلت أجسادهم، وإلتصقت جلود بطونهم بعظمها، وجاءت مغنية تردد على مسامع البؤساء (ناس معزتنا مابنريد غيرهم، رحلوا خلونا) يالها من تراجيديا سجناء أغلبهم من إقليمي كردفان ودارفور، جاءت بهم المليشيا لعذابهم في الدنيا، ولكن مدخر لهم نعيمهم بإذن الله في الآخرة. وحينما يطلق سراحهم تأتي ساقطة من متاع المليشيا لتردد اغنيه لو سمعها مصطفى سيد أحمد في ود سلفاب لرجف القبر غضباً.

من أين جاء اسم دقريس وهل للسجن تاريخ مثل سجون شالا وكوبر وسجن الأبيض؟ وكم سعة السجن وعدد المعتقلين فيه من قبل قوي الاحتلال الغاشمة؟ نعم هي قوي قوامها الأكبر من الأجانب، قائدها مولود في دولة مجاورة، وفي حكومتها ممثل لدولة تشاد!! ويقاتل في صفها النوير من جنوب السودان، وعربان الشتات من النيجر وأفريقيا الوسطى، وبوركينا فاسو أو فولتا العليا سابقا، مما يجعلها قوي إقليمية تحت غطاء سوداني محتلة لأرض السودان.

أما سجن دقريس الواقع على بعد ٧ كيلو مترات جنوب مدينة نيالا، هو تأسس في قرية ودقريس، وهي قرية صغيرة لايتعدي عدد سكانها المائة نسمة. وفي السنوات الأخيرة من عمر الإنقاذ تهالك سجن مدينة نيالا، وأصبح في قلب المدينة، وهدد البيئة، إذ تفوح منه روائح الصرف الصحي، فقررت وزارة الداخلية تشييد سجن جديد بسعة سبعة الف نزيل، لولاية يبلغ عدد سكانها 15 مليون نسمه، وبطبيعة الحال لايفتتح السجن بالاحتفالات، ولا يعد زيادة عدد السجون إنجازات تباهي بها الحكومة، ولكن السجن صمم لإستيعاب 7 الف سجين، ومع نشوب الحرب وسيطرت المليشيا على مدينة نيالا أصبح دقريس مكاناً مرعباً، يقتاد اليه الشباب في هجعة الليل، فيتلقون ألواناً من التعذيب، ويعودون جثث يرمي بها في الطرقات، ومع دخول المليشيا المدن تضخم عدد السجناء حتى بلغ في آخر إحصاء قالت به منظمة أطباء بلاحدود أن نحو مائة ألف يقبعون في سجن دقريس، الذي يضاهي سجن أبو غريب في بغداد من حيث السعة والسمعة السيئة، ويشرف على السجن عسكريون من المليشيا، أغلبهم من الماهرية أولاد منصور، وفي قاموس البغاة المحاربين شذاذ الآفاق يُحرم السجناء من حقوقهم الطبيعية، ولذلك الحديث عن الرعاية الصحية للسجناء ضرب من الخيال، فالامر ليس كما هو في كل سجون العالم، يحظي السجناء برعاية صحية، ولائحة تحدد حقوق المحبوسين.

في سجن دقريس يحشر الناس في زنازين ضيقة، وغرف لاتتعددي ثلاثة أمتار في مترين، وبلا نوافذ، في مدينة شديدة الحرارة صيفاً وباردة شتاءً، وبالسجن آلاف الضباط من المتقاعدين عن الخدمة العسكرية، حيث يعاقب كل ضابط خدم في القوات المسلحة أو الشرطة أو جهاز الأمن، حتي لو كان بالمعاش متقاعداً عن الخدمة، قبل ثلاثين أو أربعين عاما!! ومن عجائب ما روته زميلتنا زلفة عوض دكام، أن الجنجويد عند دخولهم الحلفايا، اقتحموا بيتا من أسرة الجنرال الراحل حسن بشير نصر، ووجدوا صوراً قد علقت في صالون البيت للراحل حسن بشير، وأخرى للفريق إبراهيم عبود، فنظر اليهم الأشوس وقال وين (الفلنقايات ديل) فقال صاحب المنزل في مقابر الحلفايا ماتوا منذ سنوات.. فنزع الصور من الحائط ورمي بها في الأرض، ولو وجد هؤلاء عبود على قيد الحياة لكان مصيره سجن دقريس، مثل والي شرق دارفور الأسبق اللواء انس عمر الذي خدم منطقة الرزيقات، وقدم لها مالم يقدمه عبدالله مسار، ولا عبدالحميد موسى كاشا، ولا احد اليوم يجزم بمصيره ومعه عدد من العلماء والاطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات، وسائقي الركشة، وبائعي الماء في سوق الفاشر، وحينما يموت السجين جوعاً في دقيريس يدفن أو يرمي به في وادي نيالا، لتنهش جثته الكلاب، والنسور، ولايغسل ولا يصلي عليه، وتلك واجبات المسلم على المسلم. ولكن اي اسلام ذلك الذي يجعل دماء المسلمين مباحة على الهوية العرقية أو الانتماء الجهوي؟!!

وبعض معتقلي سجن دقريس جريمتهم انتمائهم لغير قبائل العطاوة، أما العطاوة الذين يشربون الآن من كاسٍ مزاجه حنظلاً، بعضهم معتقلاً بسبب وشايات أُلصقت بهم، وبعضهم معتقلين لمخالفة توجيهات القائد، ومن كبار قادة الدعم السريع القابعين في قياهب السجن النزير محمد أبكر، وهو مسؤل الأمن الشعبي السابق بحزب المؤتمر الوطني بجنوب كردفان، تم اقتياده من الحمادي الي نيالا، ولم تشفع له توسلات زوجته ( للقائد) ولا عشيرته من التكارنه، ولايعرف مصير دكتور محمد علي الجزولي، ولا أسامة عثمان باشا الذي كان يباهي بخيلانه الحوازمة، ولكن بكل أسف خذله قادة المليشيا، وتنكر له القريب قبل البعيد، ولايعرف مصيره حياً أو ميتاً، وكذلك مئات الأسري في معرك الخوي والجزيرة، وبعض السجناء تم اقتيادهم من الخرطوم الي نيالا، التي أصبحت هي الأخرى مقبرة كبيرة، ولايعرف على وجه الدقة عدد السجناء، لكن اغلب التقديرات تشير إلى 100 ألف او 120 الف سجين!! ولا ندري لماذا أغمضت منظمات حقوق الإنسان أعينها عما يجري في هذا السجن، الذي يتعرض فيه السجناء الي الجوع حتى الموت، ولا تجرؤ منظمة حقوقية واحدة على نشر وقائع الموت اليومي في سجن يدخله الأبرياء من غير معرفة اسباب حبسهم، ومن غير تحديد لموعد خروجهم، ولا تمييز بين صاحب الرأي والموقف السياسي ودون ذلك من الجرائم.

هذا السجن يشكل إدانة لحكومة تأسيس التي تدعي أنها ولدت لانصاف ضحايا التهميش والظلم، ويعلمون أن ما يحدث في سجن دقريس يفوق فظائع سجن صدنايا في سوريا بشار الأسد.

2️⃣

تصاعدت حدت المعارك بين مكونات الدعم السريع من قبيلتي البني هلبه والسلامات في جنوب غرب دارفور، ولان الحرب تدور في الظلام وتخفي الأطراف عدد ضحاياها اعتقادا منها ان الكشف عن عدد القتلى. والجرحي يجلب العار، تكتم البني هلبة عن عدد قتلاهم في معارك كبم ونيالا وكذلك فعل السلامات، وهذا الصراع قديم متجدد حول ملكية الأرض والسيطرة عليها لا الانتفاع منها، وقد بلغ عدد القتلى في الصراع الحالي حوالي 2 الف قتيل، وأكثر من الف جريح ومصاب، ودخلت المسيرات الانتحارية المعركة وكل طرف يدعي وصلاً بقيادة الدعم السريع التي يميل هواها الي السلامات مرةً و الي البني هلبة مرة اخري، وهي عاجزة تماماً عن كبح الصراع، ولا تجريد المقاتلين من الطرفين من سلاح الدعم السريع، وللصراع الحالي القبلي آثار على عدد من الدول الأفريقية منها تشاد وأفريقيا الوسطى وشمال مالي بوركينا فاسو، وذلك ما سوف نمحص فيه بقليل من النظر في أبعاده، ولكن من واقع مشاهدات راصد للصراعات القبلية في دارفور فإن قبيلة السلامات خاضت من قبل صراعات مع المسيرية في منطقة أم دخن، ومع التعايشة ومع الهبانية والفلاته والبني هلبة وخزام، وتستمد قبيلة السلامات قوتها من انتشارها الواسع في السودان تشاد بوركينا فاسو التي بها قيادي كبير في الحكومة الانقلابية من السلامات، ومدير جهاز الأمن السابق في حكومة إدريس دبي من السلامات، والان يشكل معارضة لدبي الابن، وتنتشر القبيلة في ديار المسيرية والحوازمة، وعرفت بالشراشة في القتال، ويحرص الدعم السريع على خطب ودها، ومد خيوط الإمداد لها، خوفا من انقلابها عليه، بينما يقاتل البني هلبة دفاعاً عن وجودهم، وهم معتدي عليهم، من قبل السلامات، الذين دخلوا بقواتهم محلية كبم قبل ارغامهم علي الخروج منها، ولكن التحشيدات الآن من وسط دارفور ومن تشاد ومن مناطق العمليات النشطة في كردفان، وطغت التحشيدات الاثنية على الولاء السياسي، وكل طرف بدأ يتوعد الطرف الآخر، والكل بيده السلاح والقوة الغاشمة، مما يهدد الدعم السريع بالفناء بيد بعضهم البعض، لا بيد القوات المسلحة، ورغم محاولات عبدالرحيم دقلو ابتعاث واحدٍ من أدواته المسيري التشادي الأصل صالح الفوتي، للفصل بين القوات الا أنه فشل في مهمته تماماً، وعاد الي نيالا دون كبح جماح الصراع، الذي يهدد بفناء نصف قوة الدعم السريع، الذي إذا ماتصاعدت الأحداث الاسبوع الجاري، سيفقد نصف قوته في دارفور في الوقت الذي تتقوى فصائل القوات المشتركة في كل يوم بمنشقين من الدعم السريع، وإذا كانت أحداث صراع البني هلبة السلامات قد كشفت عن عجز حكومة التعايشي، التي تخلقت في رحم المليشيا، عن مواجهة أزمات الداخل المتفاقمة من موركندي وكبم وحتي محلية غرب بارا، حيث لاتزال تفاعلات قضية مقتل نحو 74 من قبيلة دارحامد تتصاعد في الساحة، وفشلت حكومة التعايشي كما فشل والدها الدعم السريع في كبح جماح الصراع، وإعادة الهدوء لتلك المنطقة، كما فشلت حكومة تأسيس في حل نزاع المرتزقة النوير وأهل المنطقة من المسيرية في غرب كردفان، وهذا الفشل الذي شهد به الدعم السريع على نفسه، يشير إلى حقيقة واحدة أن هذا المشروع بات على مقربة من الزوال، بيد عناصر المشروع نفسه.

*(والله غالبٌ علي أمره، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون).*

✒️ يوسف عبدالمنان.

6 يونيو 2026م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.