وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي .. يكتب : السودان… سلامٌ تتنازعه العواصم

1

 

 

أصدر إعلام مجلس السيادة الخميس، بيانًا نفى فيه صحة ما نُشر منسوبًا إلى رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مؤكدًا أنه لم يدلِ بأي تصريحات لأي وسيلة إعلامية محلية أو دولية خلال الفترة الماضية، وداعيًا إلى تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية.

غير أن هذا النفي، وفق قراءة تحليلية، يعكس تعقيد إدارة المشهد السوداني وسط تداخل اتجاهات الحرب والسلام، وتزايد تأثير مصالح العواصم الإقليمية على مسار الأزمة . ويناقش هذا المقال هذه التطورات في ظل كثرة التسريبات، وأهمية وجود قنوات إعلامية موثوقة تضع المعلومات الممكنة أمام الرأي العام، تجنبًا للوقوع في دوامة التضليل.

فالبيان لم يُنهِ الجدل بقدر ما عكس حجم السيولة السياسية والإعلامية المحيطة بالملف السوداني. إذ لم تعد القضية مرتبطة بمجرد خبر أو تسريب إعلامي، وإنما بحالة ضبابية ظلت تحيط بمسارات التفاوض والوساطات والتحركات الإقليمية الجارية خلف الكواليس، في وقتٍ يعيش فيه السودانيين واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ دولتهم الحديثة.

في تقديري لم يكن ما نشره موقع “عين الشرق الأوسط” مستغربًا من حيث المضمون، إذ ظل الحديث عن اتصالات أو وساطات أو تفاهمات غير مباشرة بين الخرطوم وأبوظبي مطروحًا منذ أشهر عبر قنوات متعددة، من بينها تركيا وإثيوبيا والبحرين. كما أن الموقف الرسمي من مبدأ التفاوض ظل واضحًا، حيث يؤكد الخطاب الحكومي أن أي حوار مشروط بوقف دعم مليشيا الدعم السريع، واحترام سيادة السودان ووحدته.

لكن أهمية الواقعة ليست في مضمون التصريحات بل في دلالاتها السياسية. فالسودان اليوم لم يعد يواجه حربًا عسكرية تقليدية، وإنما يواجه أيضًا حربًا على السرديات، وعلى وعي المجتمع، وعلى تشكيل التصورات المتعلقة بمستقبل البلاد . ولهذا أصبحت إدارة المعلومات جزءًا من إدارة المعركة الوطنية، لأن فراغ الحقيقة سرعان ما تملؤه الشائعات والتسريبات والتأويلات المتضاربة التي ربما تحبط الناس.

ومن هنا فإن الأزمة الحقيقية ليست في وجود تفاوض من عدمه، بل في غياب خطاب سياسي وإعلامي قادر على طمأنة الداخل، وإشراكه ـ ولو بالحدود الممكنة ـ في فهم ما يجري حول مستقبل الحرب والسلام. فهذه الحرب لم تعد شأنًا عسكريًا، وإنما قضية وطنية دفعت أثمانها ملايين الأسر السودانية، وأعادت تشكيل الاقتصاد والمجتمع والسياسة وربما الجغرافيا.

لقد خاض الجيش السوداني هذه الحرب بإسناد شعبي كبير، أوشك ان يبلغ حد الإجماع الوطني، باعتبارها معركة تتعلق ببقاء الدولة، لا صراع على السلطة كما حاول البعض تصويرها. ولذلك فإن الحفاظ على هذا التماسك الشعبي والسياسي أصبح ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن الحسم الميداني. فالدول لا تنتصر في الحروب، بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بصلابة جبهتها الداخلية، وبقدرتها على إنتاج خطاب وطني موحد يحصّن المجتمع من الانقسام والإنهاك وفقدان الثقة.

وفي هذا السياق، تبدو المعركة الإعلامية والسياسية اليوم جزءًا أصيلاً من معركة السودان الوجودية. فخصوم الدول لا يستهدفون جيشها فقط، بل يستهدفون أيضًا وعي الشعب، وثقته بالحكومة، وقدرته على التماسك. ولهذا يصبح الصمت الرسمي، أو الغموض في إدارة القضايا، بيئة مثالية لازدهار الشائعات، وتآكل اليقين الوطني.

غير أن ما يزيد المشهد تعقيدًا، أن الحرب، تجاوزت منذ وقت مبكر حدودها المحلية، وتحولت إلى ساحة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية. فلكل عاصمة منخرطة في الملف السوداني لها تصورها الخاص لشكل السودان بعد الحرب، ولكل طرف حساباته الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.

تتحرك السعودية وفق مقاربة تسعى إلى إعادة بناء التوازن السياسي داخل البلاد، ومحاولة إنتاج صيغة مستقرة تجمع بين البعد المدني والمؤسسة العسكرية، بينما تنظر مصر إلى الملف السوداني من زاوية الأمن القومي وتوازنات الدولة المركزية ومياه النيل، في حين تتحرك الإمارات ضمن حسابات النفوذ الإقليمي، و البحر الأحمر، والقرن الأفريقي.

أما البحرين فتبدو، بحسب ما رشح من معطيات، وكأنها تحاول لعب دور الوسيط الهادئ لإعادة فتح قنوات الاتصال بين الخرطوم وأبوظبي، في وقتٍ لا تزال فيه الشكوك العميقة تحكم العلاقة بين الطرفين.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم حالة التعثر التي صاحبت مختلف المبادرات السابقة، سواء في المنامة أو جدة أو واشنطن، لأن المشكلة لم تكن يومًا نقصًا في الوسطاء، بل فائضًا في الأجندات والمصالح المتعارضة.

والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن وعي السودانين، أن كل العواصم المنخرطة في الملف السوداني تتحرك وفق مصالحها، فلكل دولة مشروعها المؤجل، وحساباتها المرتبطة بالنفوذ والاقتصاد والأمن وإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة. ولذلك فإن حماية القرار الوطني السوداني تبدأ أولًا بإدراك هذه الحقيقة، والتعامل معها بوعي الدولة، فالسودان، بحكم موقعه الجيوسياسي وموارده وتقاطعاته الإقليمية أصبح مطمع للجميع.

ولهذا فإن اللحظة الراهنة بحسب #وجه_الحقيقة تفرض على القوى الوطنية السودانية ـ السياسية والمجتمعية والإعلامية ـ مسؤولية تاريخية في حماية الجبهة الداخلية، وترسيخ فكرة أن معركة السودان ليست معركة مؤسسة بعينها، وإنما معركة وطن بأكمله. فحين تتكاثر الأطماع من الخارج، يصبح التماسك الداخلي هو خط الدفاع الأول عن الدولة.

دمتم بخير وعافية.

السبت 23 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com

#السودان

#سلام_السودان

#الحرب_في_السودان

#السيادة_الوطنية

#الإعلام_والحقيقة

#الدبلوماسية_الإقليمية

#مجلس_السيادة

#البرهان

#عين_الشرق_الأوسط

#إبراهيم_شقلاوي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.