السودان بين حسم المعركة ومواجهة الأطماع الإقليمية بقلم: د. الطاهر موسى الحسن
تشهد الساحة السودانية هذه الأيام تطورات متسارعة وحساسة، تؤكد أن البلاد تمر بمرحلة مفصلية لا تحتمل التردد ولا تقبل أنصاف الحلول. فالمعركة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية مع مليشيا الدعم السريع المتمردة، بل أصبحت معركة سيادة وطن، وصراع إرادات بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى، وبين جيش يقاتل من أجل بقاء السودان، وأطراف داخلية وخارجية تراهن على تفكيكه.
خلال اليومين الماضيين، برزت عدة مؤشرات مهمة على تغير موازين القوى في الميدان، لعل أبرزها استمرار تقدم القوات المسلحة السودانية في عدد من المحاور، واتساع رقعة السيطرة العسكرية، بالتزامن مع تصاعد واضح في الانشقاقات داخل صفوف المليشيا. ومن أبرز هذه التطورات ما أوردته تقارير إعلامية حول انشقاق القائد الميداني مكي محمد التجاني، أحد قادة الدعم السريع بمحور جنوب مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، حيث سلّم نفسه وعددًا من قواته إلى الجيش السوداني مع كامل عتادهم العسكري، في خطوة تحمل دلالات عميقة تتجاوز بعدها العسكري المباشر .
هذه الانشقاقات لا يمكن قراءتها كحوادث فردية معزولة، بل تعكس حالة تآكل داخلي تعيشها المليشيا، خاصة وسط القيادات الوسطى والميدانية التي بدأت تدرك أن المشروع الذي انخرطت فيه لم يعد يملك أفقًا سياسيًا ولا غطاءً اجتماعيًا ولا حتى ضمانات للبقاء. فالمليشيا التي قامت على منطق الحسم السريع والتمدّد الخاطف، وجدت نفسها أمام حرب استنزاف طويلة، ومع كل يوم تخسره في الميدان، تخسر معه ثقة عناصرها وولاء حواضنها.
وفي المقابل، فإن القوات المسلحة لا تحقق فقط تقدمًا عسكريًا، بل تستعيد ثقة الشارع السوداني، وتثبت أنها المؤسسة الوحيدة القادرة على حماية الدولة ومنع سقوطها الكامل في مستنقع الفوضى. وهذا ما يفسر الالتفاف الشعبي الواسع حول الجيش، خاصة بعد أن اتضح للجميع أن هذه الحرب لم تكن مجرد خلاف سياسي، بل مشروع تخريبي استهدف هوية السودان ووحدته ومؤسساته.
لكن الأخطر من المعركة الداخلية، هو ما يتكشف يومًا بعد يوم من أدوار إقليمية مشبوهة، وعلى رأسها الدور الإثيوبي الذي أصبح محل تساؤلات وغضب رسمي متصاعد. فبعد استهداف مطار الخرطوم الدولي بطائرات مسيّرة، وجّهت الحكومة السودانية اتهامات مباشرة إلى أديس أبابا بالتورط في الهجوم، عبر السماح بانطلاق المسيّرات من أراضيها، الأمر الذي دفع الخرطوم إلى استدعاء سفيرها لدى إثيوبيا السفير الزين إبراهيم للتشاور، في خطوة دبلوماسية تعكس خطورة الموقف .
ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ تداولت مصادر دبلوماسية وإعلامية خلال الساعات الأخيرة معلومات عن قيام إثيوبيا بتعليق اعتماد السفير السوداني الجديد الدكتور عبدالغني النعيم، وهو ما اعتُبر عمليًا خطوة بطرد السفير وتصعيدًا سياسيًا جديدًا بين البلدين، خاصة في ظل تبادل الاتهامات بشأن دعم التمرد واستخدام الأراضي الإثيوبية كمنصة تهديد للأمن السوداني .
إذا صح هذا المسار، فإننا نكون أمام انتقال خطير من مرحلة التوتر الصامت إلى مرحلة المواجهة السياسية المباشرة، وهو ما يفرض على الدولة السودانية التعامل مع الملف الإثيوبي بمنطق الأمن القومي لا بمنطق المجاملات الدبلوماسية. فالسودان لا يواجه مجرد أزمة حدود، بل مشروع ضغط استراتيجي مرتبط بالبحر الأحمر، وبالنفوذ في القرن الأفريقي، وبمحاولات إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم على حساب الخرطوم.
إن شرق السودان اليوم ليس مجرد جبهة حدودية، بل هو خط الدفاع الأول عن سيادة الدولة، وعن بورتسودان، وعن أمن البحر الأحمر نفسه. ومن هنا فإن أي عبث بهذه المنطقة يجب أن يُقرأ باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني السوداني.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز سؤال بالغ الأهمية: ماذا بعد الحسم العسكري؟ هل نحن مستعدون لليوم التالي؟
الانتصار في الميدان ضرورة، لكنه ليس النهاية. فالدولة التي تنتصر عسكريًا ثم تفشل سياسيًا، قد تخسر كل شيء من جديد. نحن بحاجة إلى مشروع وطني متكامل لمرحلة ما بعد الحرب: إعادة الإعمار، استعادة الخدمة المدنية، ضبط الاقتصاد، معالجة آثار النزوح، إصلاح المؤسسات العدلية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
كما أن الحوار الوطني الحقيقي يجب أن يكون بين القوى الوطنية التي تؤمن بالدولة، لا مع مشروع تمرد قائم على الارتزاق والتخريب. فلا يمكن مساواة من حمل السلاح ضد الوطن، بمن دافع عنه.
السودان اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة؛ فالمليشيا تتآكل من الداخل، والدعم الخارجي لها يواجه انكشافًا متزايدًا، والشارع السوداني أكثر وعيًا بحجم المؤامرة من أي وقت مضى. لكن النجاح الحقيقي لن يُقاس فقط بتحرير المدن، بل بقدرتنا على منع إنتاج الأزمة نفسها تحت أسماء جديدة.
المعركة الآن ليست فقط ضد مليشيا الدعم السريع، بل ضد الهشاشة السياسية،
نحتاج إلى مشروع وطني، لا تسويات قابلة للانفجار.
نحتاج إلى سلام يحفظ الكرامة، لا هدنة تؤجل الانهيار.
والتاريخ لا يرحم الدول التي تنتصر في الحرب… ربما تضيع في دروب السياسة وأطماع السياسيين.