الخريف لا ينتظر أحدًا… والاستعداد المبكر هو نصف النجاة بقلم: فخري فركاوي
مع كل موسم خريف، تعود ذات الأسئلة القديمة، وذات المشاهد التي حفظها المواطن عن ظهر قلب: مياه تتجمع في الطرق، أحياء تُحاصرها السيول، خدمات تتعطل، ومواطن يبحث عن النجاة في اللحظة الأخيرة.
لكن المختلف هذه المرة في محلية كسلا، أن الاستعداد بدأ مبكرًا، قبل أن تهطل أول قطرة مطر، وقبل أن تتحول المخاوف إلى أزمة واقعة.
نزول المدير التنفيذي للمحلية ميدانيًا، برفقة المهندسين والموظفين والعمال، لمتابعة تجهيزات الخريف، يحمل رسالة مهمة جدًا، وهي أن إدارة الأزمات لا تبدأ بعد وقوعها، بل تبدأ قبلها بالتخطيط والاستعداد والمسؤولية.
التوقعات تشير إلى أن مناسيب الأمطار هذا العام قد تكون مرتفعة، وهذا يعني أن التعامل التقليدي مع الخريف لم يعد كافيًا، وأن المطلوب هو عقل جديد، لا مجرد ردود أفعال متكررة.
الخريف ليس مفاجأة.
هو موسم معلوم، يتكرر كل عام، وبالتالي فإن الكارثة الحقيقية ليست في الأمطار نفسها، بل في ضعف الاستعداد لها.
تنظيف المصارف، فتح المجاري، إزالة التشوهات التي تعيق انسياب المياه، مراجعة البنية التحتية الهشة، معالجة مواقع الهشاشة داخل الأسواق والأحياء، وتأمين المؤسسات الخدمية… كل ذلك ليس عملاً موسميًا، بل واجب إداري أصيل.
لكن الحقيقة الأهم أن المحلية وحدها لا تستطيع حمل هذا العبء.
درء آثار الخريف مسؤولية مشتركة، تبدأ من المواطن نفسه.
حين يلقي البعض النفايات في المصارف، أو يتعامل مع الشارع باعتباره مساحة مهملة، فإنه عمليًا يشارك في صناعة الأزمة التي سيشتكي منها لاحقًا.
المواطن شريك، لا متفرج.
والوعي هنا لا يقل أهمية عن الآليات والمعدات.
كما أن مؤسسات الدولة الأخرى مطالبة بالخروج من دائرة الانتظار إلى دائرة الفعل؛ الصحة، المياه، الكهرباء، التعليم، الدفاع المدني، وكل الجهات ذات الصلة يجب أن تعمل كمنظومة واحدة، لأن الخريف لا يعترف بتجزئة المسؤوليات.
أما المنظمات، فعليها أن تدرك أن التدخل الحقيقي لا يكون فقط بعد الكارثة عبر الإغاثة، بل قبلها عبر الوقاية والدعم المبكر، سواء في الإصحاح البيئي، أو دعم المصارف، أو حملات التوعية المجتمعية، أو إسناد المناطق الأكثر هشاشة.
ويبقى للإعلام دور لا يقل أهمية عن كل هذه الجهود، بل ربما يكون هو الجسر الذي يربط بينها جميعًا.
الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث بعد وقوعها، بل هو شريك أصيل في صناعة الوعي الوقائي.
دور الإعلامي الحقيقي يبدأ قبل الخريف، عبر تنبيه المواطنين، وتسليط الضوء على مواقع الخطر، وكشف أوجه القصور، ومتابعة تنفيذ الخطط، وتحفيز المجتمع على المشاركة.
الإعلامي ليس فقط من يحمل الكاميرا، بل من يحمل مسؤولية الكلمة، ويعرف أن تقريرًا صادقًا قد يمنع كارثة، وأن رسالة توعوية بسيطة قد تنقذ حيًا كاملًا من الغرق.
كما أن الإعلام يجب أن ينتقل من تغطية الكارثة إلى صناعة الوقاية، ومن انتظار الأزمة إلى المساهمة في منعها. فالتوعية بخطورة رمي النفايات في المصارف، وشرح آثار انسداد المجاري، ونشر ثقافة العمل الطوعي والمبادرات المجتمعية، كلها معارك يومية يجب أن يكون الإعلام في مقدمتها.
لقد تعب الناس من تكرار نفس السيناريو كل عام، ومن البيانات التي تأتي بعد الغرق، ومن الحلول المؤقتة التي تنتهي بانتهاء الأزمة.
ما يحتاجه المواطن اليوم هو إدارة تمنع الأزمة قبل وقوعها، لا إدارة تجيد الحديث عنها بعد حدوثها.
ولهذا فإن التحرك المبكر الذي بدأته المحلية يجب أن يُقرأ باعتباره خطوة صحيحة، لكنه في ذات الوقت يحتاج إلى إسناد حقيقي من الجميع، لأن الخريف ليس مسؤولية محلية فقط، بل مسؤولية ولاية كاملة.
نحن لا نحتاج إلى بطولة موسمية، بل إلى ثقافة دائمة في إدارة المخاطر.
فالمدن لا تُقاس فقط بنظافة شوارعها، بل بقدرتها على الصمود حين تختبرها الطبيعة.
والخريف قادم ولن ينتظر أحدًا…
فإما أن نستعد له الآن، أو نكتب لاحقًا نفس الحكاية القديمة، بنفس الخسائر، ونفس الندم.