ترامب والمشهد المتكرر: هل محاولة الاغتيال الجديدة نعمة سياسية أم دليل انهيار؟ د. طاهر موسى الحسن

0 1

 

 

 

في العاصمة واشنطن، حيث يصنع التاريخ أحياناً خارج البروتوكولات الرئاسية، شهد مساء السبت الماضي مشهداً دراماتيكياً خارج حسابات الأجهزة الأمنية. فجأة، وبينما كان الرئيس دونالد ترامب يشارك في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، تحولت القاعة الفاخرة إلى ساحة ذعر بعد أن اقتحم مسلح نقطة تفتيش أمنية وأطلق النار. هذه الحادثة، التي تعد الحلقة الأحدث في سلسلة استهدافات لترامب، تفتح باباً واسعاً من التساؤلات حول حقيقة ما جرى والدوافع الكامنة وراءه، وتطرح نفس السؤال القديم: هل هذه محاولة اغتيال حقيقية أم حلقة أخرى من مسلسل استغلال الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية؟

في مؤتمر صحفي أعقب الحادثة مباشرة، اعترف ترامب ضمناً بأنه كان الهدف، قائلاً: أعتقد ذلك عندما سئل عما إذا كان المسلح يستهدفه. وأضاف الرئيس واصفاً المهاجم بأنه شخص مريض بدا شريراً للغاية. التفاصيل التي كشف عنها ترامب وأجهزة الأمن تصور مسلحاً كان يحمل عدة أسلحة، اخترق نقطة تفتيش أمنية كانت تفصله عن قاعة الحفل بنحو 45 متراً، قبل أن يتم تحييده على يد رجال الخدمة السرية. الخدمة السرية كانت في حالة تأهب قصوى، واستجابت بسرعة قياسية، حيث هرعت فرقها المسلحة إلى المنصة وطوقت الرئيس وعائلته، وغطت عملية الإخلاء. المدهش أن ترامب، الذي أقر بأن المكان لم يكن مؤمناً بشكل خاص، أبدى رغبة جامحة في العودة إلى المنصة وإلقاء كلمته التي وصفها لاحقاً بأنها الأكثر حدة وخروجاً عن المألوف على الإطلاق.

لا تزال التحقيقات في مرحلة متقدمة، لكن التصريحات الأولية ترجح فرضية الذئب المنفرد . ترامب نفسه قال إن السلطات تعتقد أن المهاجم كان على الأرجح ذئباً منفرداً وليس جزءاً من خلية أكبر. وأشارت بعض المصادر إلى أن المسلح قادم من كاليفورنيا. فريق مكتب التحقيقات الفيدرالي اف بي اي لم يستبعد أي فرضية بعد، لكن في ظل غياب أي تبن سريع من تنظيمات كبرى، يظل احتمال وجود دوافع شخصية أو اضطرابات نفسية هو الأقوى. لكن هذا السيناريو التقليدي لا يبدو مقنعاً في ظل طبيعة التوقيت والموقع بالغ الأهمية.

هنا تبدأ منطقة الغموض السياسي الحقيقي. قبل أيام فقط من هذه الحادثة، أعلنت السلطات الأمريكية عن تفكيك مؤامرة إيرانية لاغتيال ترامب، متهمة الحرس الثوري بالوقوف وراءها كرد فعل على اغتيال الجنرال قاسم سليماني. تلك الخلفية تجعل من المستبعد للغاية أن يكون الحادث مجرد حادثة فردية منعزلة، رغم تصريحات ترامب “الذئب المنفرد. ربما يكون المهاجم جندياً مستقلاً أو جزءاً من شبكة, والأجهزة الأمنية تحاول تغطية أبعاد أوسع.

لكن السيناريو الأكثر إثارة للجدل، والذي تردد صداه في وسائل التواصل وبين المحللين السياسيين كما أشرنا في مدخلات المستخدم، هو احتمال أن تكون محاولة الاغتيال هذه مُدبَّرة أو مُصنَّعة لخدمة أهداف سياسية داخلية. هذا الاحتمال، الذي يعتبره البعض نوعاً من نظريات المؤامرة، يجد له مؤيدين في واشنطن هذه الأيام، خاصة بعدما كشفت استطلاعات الرأي عن تراجع مقلق في شعبية الرئيس. ومع أن صحيفة نيويورك تايمز ذكرت أنه لم يتم تأكيد دوافع الحادثة، إلا أن التكرار المريب للاستهدافات يفتح باب الاحتمالات.

لطالما كانت لحظات الأزمات، خاصة محاولات الاغتيال، بمثابة صاعق كهربائي لإحياء الشعبية المتآكلة. هذا الأمر ليس وليد اللحظة أو خاصاً بترامب. استطلاعات الرأي الأخيرة كانت تشير إلى أن ترامب وصل إلى أدنى مستويات التأييد له في تاريخه السياسي. في ظل هذه الضغوط، ماذا يتبقى للرئيس لاستعادة زخمه سوى إلهاء الجمهور بقصة مؤامرة كبرى ضده؟ إنها لعبة قديمة، الهدف منها هو تحويل أي حدث أمني إلى قصة بطولة تبرز الرجل القوي الذي يتحدى أعداءه. لكن السؤال: هل ما زال الناخب الأمريكي يشتري هذا السيناريو بعد أن تكرر أكثر من مرة؟

صحيح أن الأرقام لا تكذب، فمحاولة الاغتيال الأولى في بنسلفانيا منحت ترامب دفعة هائلة نحو البيت الأبيض، لكن تكرار الكأس قد يفقد بريقه. فبدلاً من أن يبدو ترامب ضحية، يمكن أن تبدو الإدارة كجهة تعجز عن تأمين رئيسها بشكل متكرر، مما يبعث رسالة ضعف واضطراب.

بعيداً عن نظريات المؤامرة، هناك حقيقة لا جدال فيها: الولايات المتحدة تعيش أزمة عميقة تتعلق بالأمن الرئاسي والعنف السياسي. موقع الحادث كان فندق واشنطن هيلتون، وهو عين المكان الذي أُطلق فيه النار على الرئيس رونالد ريغان عام 1981. وبعيداً عن قراءة حادثة 2026 منفردة، فإنها تمثل دليل واضحاً من التصاعد الخطير في الاعتداءات على الشخصيات العامة، وهو استخدام للعنف كوسيلة للتأثير السياسي. هذا يشير إلى أن الخلل ليس في شخص الجاني إنما في نسيج المجتمع والحراسة الرئاسية التي أثبتت، رغم بطولتها اللحظية، وجود ثغرات واضحة.

في خضم هذه الأحداث، أتوقع سيناريوهين رئيسيين: الأول: أن تستغل الإدارة الحادثة لتمرير قوانين أمنية مشددة وملاحقة أعداء الداخل، مع تركيز الإعلام على قصة الاختراق الأمني الإيراني لتبرير أي تصعيد عسكري محتمل ضد طهران. الثاني: أن يكون الصمت مطبقاً من فريق ترامب بشأن التفاصيل الحقيقية للمهاجم، مع إبقاء السردية عامة قدر الإمكان (مريض نفسي/ذئب منفرد) لإغلاق الطريق أمام التساؤلات المحرجة. في كلا الاحتمالين, الفائز الأكبر هو ترامب, الذي سيخرج من هذه الأزمة إما كبطل نجا من الموت أو كقائد يوحد الأمة خلفه في وجه الخطر.

في النهاية، ما يحدث في واشنطن ليس مجرد حوادث متفرقة. إنه انعكاس لحالة من التآكل الأخلاقي والسياسي عمت أروقة السلطة، وتحولت فيها دماء السياسة إلى مجرد “دعاية انتخابية”. وعلينا في السودان والمنطقة أن نتعلم الدرس: الشعب الذي تتهاوى مؤسساته ويفسد قادته، يصبح مسرحاً مفتوحاً للعنف. الفارق الوحيد هو أن عنفنا نحن حقيقي ومدمّر، أما عنفهم فهم يحاولون تصديره كدراما تلفزيونية لخدمة أجندتهم الانتخابية. نسأل الله السلامة للجميع، وأن يحفظ بلادنا من شر هذه الممارسات التي تستغل دماء الأبرياء سلماً للوصول إلى الكراسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.