إسلام أباد تفشل وفوهة البركان تشتعل: قراءة في انهيار المفاوضات وعودة الحرب بقلم: د. الطاهر موسى الحسن
بعد واحد وعشرين ساعة من المفاوضات الماراثونية في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، والتي كانت تمثل أول لقاء مباشر رفيع المستوى بين الجانبين الأمريكي والإيراني منذ الثورة الإسلامية عام 1979، خرج نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ليعلن فشل المفاوضات وعدم التوصل إلى أي اتفاق . هذا الإعلان الذي جاء متزامناً مع قصف إسرائيلي وحشي استخدم فيه الفسفور الأبيض المحرم دولياً على جنوب لبنان، ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز لأكثر من أربعين يوماً، لم يكن مفاجئاً لمن كان يتابع حجم التناقضات بين الطرفين. فبينما كانت الأجواء الإعلامية مليئة بالتقارير الوردية عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، كانت الكواليس تشهد اتساع الهوة بدلاً من تضييقها.
لم يخفِ فانس خيبة أمله، لكنه حرص على تحميل إيران مسؤولية الفشل، قائلاً بكل استعلاء: الأخبار السيئة هي أننا لم نتوصل إلى اتفاق. وأعتقد أن هذه أخبار سيئة لإيران أكثر مما هي سيئة للولايات المتحدة الأمريكية . وأضاف أن الجانب الأمريكي أوضح خطوطه الحمراء بوضوح، وقدم عرضاً وصفه بأنه نهائي وأفضل عرض، لكن الإيرانيين اختاروا عدم قبوله . الموقف الأمريكي، كما تلخصه تصريحات فانس، يركز على مطلب أساسي لا يقبل المساومة: حاجة مطلقة إلى رؤية تأكيد إيجابي بأنهم لن يسعوا للحصول على سلاح نووي، ولن يسعوا للحصول على الأدوات التي تمكنهم من تحقيق سلاح نووي بسرعة .
لكن الرواية الإيرانية للفشل مختلفة تماماً وأكثر تعقيداً. فبحسب وكالة تسنيم الإيرانية شبه الرسمية، فإن المفاوضات وصلت إلى مرحلة تبادل النصوص بين الفرق الفنية لوضع إطار مشترك، لكن الجانب الأمريكي عرقل التقدم بما وصفته بـ المطالب المفرطة المعتادة. والعقدة الأساسية التي فشلت المفاوضات على أبوابها كانت ولا تزال قضية مضيق هرمز، وهو الممر المائي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية . فبينما تطالب إيران بالاحتفاظ بالسيطرة على المضيق كـ كارت ضغط لا يمكن التخلي عنه، تريد واشنطن ضمانات كاملة بحرية الملاحة بشروطها، وهو ما اعتبرته طهران تدخلاً في سيادتها .
المشكلة أن إيران لم تكتف بالرفض النظري، بل ترجمت موقفها إلى أفعال على الأرض. فبالتزامن مع المفاوضات، أعلنت طهران أن مضيق هرمز لا يزال مغلقاً تماماً، وأنها منعت مدمرة أمريكية حاولت دخوله، مؤكدة أن أي عبور لن يتم إلا بإذن إيراني . هذا التحدي المباشر للقوة البحرية العظمى في العالم هو الذي دفع البنتاغون إلى إعلان أنه يجهز الظروف لبدء عمليات كنس الألغام في المضيق .
غير أن أسباب الانهيار لم تقتصر على خلافات المضيق والنووي. فالتطورات الميدانية المتسارعة على الأرض كانت تلقي بظلالها القاتمة على قاعة المفاوضات. ففي الوقت الذي كان الدبلوماسيون يتبادلون النصوص في إسلام أباد، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يرتكب مجزرة جديدة في جنوب لبنان باستخدام قنابل الفسفور الأبيض المحرم دولياً على بلدة الطيري في قضاء بنت جبيل . هذا السلاح الفتاك، الذي يحرق كل شيء في طريقه من شجر وحجر وبشر، ليس مجرد أداة قتل، بل هو سلاح إبادة وتطهير عرقي يهدف إلى تهجير السكان تمهيداً للسيطرة على الأرض. والمفارقة المرعبة أن هذا القصف المتواصل على جنوب لبنان كان يحدث في الوقت الذي تزعم فيه أمريكا وإسرائيل أنهما تلتزمان بهدنة وقف إطلاق النار التي تم الإعلان عنها قبل أيام .
هذا الخرق الفاضح للهدنة كان محور اعتراض عنيف من الوفد الإيراني، الذي رفض بشكل قاطع تجزئة الاتفاق. فإيران تدرك أن إسرائيل تحاول استغلال أي هدنة محدودة للانفراد بجبهة لبنان وتصفية حساباتها مع حزب الله، قبل أن تعود لمواجهة إيران. ولذلك، فإن مطلب إيران بوقف شامل للحرب يشمل كل الجبهات، وليس فقط الجبهة الإيرانية، كان أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الوفد الإيراني يرفض الشروط الأمريكية التي تستثني لبنان .
بينما كانت المفاوضات تلفظ أنفاسها الأخيرة، كانت أنباء أخرى تقلق الأوساط الأمريكية بشدة. فتقارير استخباراتية كشفت أن الصين تستعد لتزويد إيران بأنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف من طراز مانبادز (MANPADS) خلال الأسابيع المقبلة، ومن المرجح أن يتم نقلها عبر دولة ثالثة لإخفاء مصدرها . هذه الصواريخ، التي يمكن تشغيلها بواسطة فرد واحد، تشكل تهديداً كبيراً للطائرات الأمريكية التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، وقد تكون هي نفسها التي استخدمتها إيران مؤخراً لإسقاط طائرة F-15 . الحكومة الصينية نفت هذه التقارير نافياً أن تكون قد زودت أي طرف في النزاع بأسلحة .
وفي المحصلة، يبدو المشهد الآن أكثر قتامة مما كان عليه قبل بدء المفاوضات. فالمفاوضات فشلت، والهدنة معلقة على حافة الهاوية، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً، وإسرائيل تواصل مجازرها في لبنان، والصين تزود إيران بأسلحة متطورة، وكل طرف يستعد للجولة القادمة من التصعيد. إن الأطراف كافة، للأسف، استغلت أيام الهدنة القصيرة ليس لدفع عجلة السلام، بل لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع والتزود بالسلاح. وما ينتظرنا في الأيام القادمة قد يكون أكثر عنفاً مما مضى. المنطقة على فوهة بركان، والجميع يحبس أنفاسه.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.