مؤتمر برلين حول السودان بين اجندة الممول وغياب الدولة بقلم: د. طاهر موسى الحسن

0 1

 

 

في الرابع عشر والخامس عشر من أبريل، تستضيف برلين مؤتمراً دولياً ثالثاً حول السودان، بعد نسختي باريس 2024 ولندن 2025. لكن هذا المؤتمر، الذي يزعم أنه من أجل السلام، يحمل في طياته من التناقضات ما يكفي لفضح الأجندة الحقيقية لمن يقف وراءه. فبينما تتحدث الدعوات عن دعم السودان، تفضح التفاصيل وعلى رأسها هوية الممول الرئيسي أن المؤتمر ليس سوى محطة جديدة في مسلسل الضغط على السودان ومحاولة فرض وصاية دولية تحت غطاء إنساني.

لعل أخطر ما في مؤتمر برلين أنه اعتمد على أساس خاطئ منذ البداية: إقصاء حكومة السودان من الترتيبات، بل وعدم توجيه الدعوة لها حتى بصفة مراقب. هذا الإقصاء المتعمد يعكس رؤية تساوي بين القوات المسلحة السودانية المسؤولة دستورياً عن حماية البلاد ومليشيا الدعم السريع الإرهابية التي تمردت على الدولة وارتكبت أبشع الجرائم بحق المدنيين. أي شرعية تمنحها هذه المؤتمرات للمليشيا هي ضربة في خاصرة الشرعية السودانية. والأسوأ أن المسار المدني حُصر في تحالف الحرية والتغيير بكتلتي صمود وتأسيس، متجاهلاً كل القوى الوطنية الأخرى. والمعلوم أن تأسيس اندمجت عملياً مع الدعم السريع والحركة الشعبية شمال بقيادة المتمرد عبد العزيز الحلو، ومع ذلك يصر المنظمون على إدراجها ضمن المكون المدني كغطاء لمشروع يخدم المليشيا.

هنا يبرز السؤال الأهم: من يقف خلف تمويل هذا المؤتمر؟ مصادر مطلعة تؤكد أن دويلة الإمارات العربية المتحدة هي من تكفلت بالجزء الأكبر من العبء المالي، وهي تتوقع أن تجني حصاد ما زرعته خلال ثلاث سنوات من دعم المليشيا ومحاصرة الجيش. فالإمارات، التي كشفت تقارير دولية دورها في دعم الدعم السريع بالمال والسلاح والمرتزقة، تحاول الآن تزييف الوعي وتقديم نفسها كدولة راعية للسلام، بينما هي من أشعلت الحرب وأطالت أمدها. هذا الدور يفسر إقصاء الحكومة، والتركيز على المكون المدني الموالى، والمطالبة بـوصول غير مقيد للمنظمات الإنسانية كمدخل لتفريغ الدولة من سيادتها.

ليس غريباً أن تشهد التحضيرات أزمة حادة حول قوائم المشاركين. فقيل إن الدعوات وجهت لنحو 40 شخصية، لكن التوزيع كان منحازاً بشكل صارخ لصالح صمود وتأسيس، مما أثار حفيظة تنسيق القوى الوطنية التي أعلنت مقاطعتها، بينما لا تزال الكتلة الديمقراطية تدرس الموقف. هذه الاعتراضات تعكس رفضاً واسعاً لمحاولة تهميش القوى الوطنية الحقيقية وإقصاء الجيش من أي ترتيبات سياسية.

أما المسار الإنساني فهو الغطاء الأكبر. تقدر الأمم المتحدة الاحتياجات بنحو 1.7 مليار دولار، لكن لم تتحقق سوى نسبة 30% من التعهدات السابقة. والمطلوب الآن وصول غير مقيد للمنظمات الإنسانية، وهو ما يعني تفريغ الدولة من سيادتها، وترك المجال لمنظمات بعضها يمارس أنشطة استخباراتية تحت غطاء الإغاثة. إضافة دول الجوار تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا هو جزء من خطة لخلق إجماع إقليمي على هذه الرؤية.

ما يخطط له في برلين هو استكمال لمشروع باريس ولندن بتجريد الجيش السوداني من شرعيته، وخلق توازن زائف بينه وبين مليشيا إرهابية، وفرض وصاية دولية تحت غطاء إنساني، وإقصاء القوى الوطنية التي لا تخدم أجندة الممول الإماراتي. المشاركة في هذا المؤتمر هي اعتراف ضمني بشرعية المليشيا. على القوى الوطنية أن تدرك أن هذه المؤتمرات ليست محايدة، وأن من يمولها هو من يضع أجندتها. السودان لأهله، وقراره لشعبه وجيشه، لا لمن يجلسون في برلين ويدفع فاتورتها الدرهم الإماراتي.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.