بين الإهانة والتوريط: قراءة في خطاب ترامب ومستقبل دول الخليج بقلم: د. طاهر موسى الحسن

0 6

 

 

 

في مشهد جمع بين التباهي والاستعلاء، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار بولاية فلوريدا، ليوجه إهانة علنية غير مسبوقة للمملكة العربية السعودية وولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، في الوقت الذي تتخبط فيه إدارته في مستنقع الحرب الإيرانية التي دخلت شهرها الأول دون أفق واضح للخروج . هذا الخطاب، الذي حمل في طياته ازدواجية غريبة بين الإهانة والتقرب، يعكس أزمة استراتيجية عميقة تعصف بالسياسة الأمريكية تجاه المنطقة، ويكشف عن توريط خطير لدول الخليج في حرب لم تطلبها ولم ترض بها، وتركتها تدفع أثماناً باهظة على جميع المستويات.

لقد قال ترامب، وبكل فجاجة، عن ولي العهد السعودي: لم يكن يعتقد أنه سيضطر إلى تقبيل مؤخرتي (بمعنى أن يتذلل له) … لم يكن يعتقد أنني سأكون رئيسًا أمريكيًا خاسرًا، ولكن الآن عليه أن يكون لطيفًا معي . ثم أتبع هذه الإهانة بمزيج من المدح حين وصف الأمير محمد بن سلمان بأنه رجل رائع ومحارب . هذه الازدواجية ليست مجرد ذلة لسان عابرة، بل هي منهج سياسي يعكس رؤية ترامب للعلاقات الدولية كعلاقات قوة وهيمنة، حيث لا مكان للاحترام المتبادل، وحيث يُنظر إلى الحلفاء على أنهم مجرد أدوات يمكن استعمالها ثم إهانتها في اللحظة نفسها.

لكن الأكثر خطورة من الإهانة هو ما كشفه ترامب في خطابه عن الضغوط الهائلة التي تمارسها إدارته على دول الخليج لإقحامها في الحرب الإيرانية. فبعد أن فشلت واشنطن في تحقيق نصر حاسم في الحرب، وبعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز فعليًا، مما أدى إلى اضطراب غير مسبوق في إمدادات النفط والغاز العالمية، بدأ ترامب يلقي باللوم على حلفائه في الخليج، مطالبًا إياهم بالقيام بدور أكبر في العمليات العسكرية وتأمين الممرات المائية . وجاء في تقارير وول ستريت جورنال أن ترامب دفع دول الخليج إلى خيارات صعبة، بل إن بعض التقارير أشارت إلى أن الأمير محمد بن سلمان شجعه على استمرار الحرب ووصفها بأنها فرصة تاريخية لتقويض النفوذ الإيراني، وهي رواية سارعت الرياض إلى نفيها .

الحقيقة أن دول الخليج وجدت نفسها في مأزق حقيقي، فمن جهة، هي مطالبة بدعم الحلفاء الأمريكيين في حرب لم تُستشر فيها، ومن جهة أخرى، أصبحت في مرمى النيران الإيرانية المباشرة. فمنذ بداية الحرب، تعرضت منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في دول الخليج لهجمات إيرانية متكررة، حيث أطلقت طهران أكثر من 4700 صاروخ وطائرة مسيرة على أهداف في المنطقة، مما أدى إلى مقتل العشرات وتعطيل قطاعات حيوية . والأكثر إثارة للقلق هو التصريحات الإيرانية التي تتوعد باستهداف أي دولة خليجية تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها ضد إيران، مع الإشارة إلى وجود دولة عربية متورطة في التخطيط للغزو الأمريكي للجزر الإيرانية .

الخسائر التي تكبدتها دول الخليج جراء هذه الحرب هائلة، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على المستوى الاقتصادي أيضًا. فإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتراجع النمو الاقتصادي في المنطقة. التقديرات تشير إلى أن الناتج المحلي للسعودية قد ينخفض بنحو 5% هذا العام، بينما تواجه الإمارات انكماشًا قد يصل إلى 8-10% . هذا الوضع دفع الكثيرين إلى التعبير عن غضبهم من الإدارة الأمريكية، حيث قال أليكس فاتانكا من معهد الشرق الأوسط: إذا كنت قائدًا خليجيًا، فسأكون غاضبًا. لقد تعرضوا لمخاطر هائلة دون موافقتهم، والأضرار التي لحقت في أربعة أسابيع قد تستغرق سنوات لإصلاحها .

لقد عبّر السفير الإماراتي لدى واشنطن، يوسف العتيبة، عن الموقف الخليجي بوضوح في مقال نشرته وول ستريت جورنال، حيث كتب أن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي ؛ بل يجب أن يكون هناك حل جذري يعالج كامل التهديدات الإيرانية، بما في ذلك البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، والشبكات الإرهابية . هذا الموقف يعكس قناعة متنامية بين دول الخليج بأن العودة إلى الوضع السابق غير ممكنة، وأن أي تسوية مع إيران يجب أن تكون شاملة ونهائية، وإلا فإن الأمن الإقليمي سيظل مرهونًا بنزوات طهران.

لكن السؤال الأكبر الذي يطرحه خطاب ترامب هو: هل يمكن الوثوق بإدارة أمريكية تهين حلفاءها في العلن وتورطهم في حروب دون سند قانوني أو أخلاقي؟ إن الإدارة التي تقول عن ولي عهد دولة حليفة إنه يقبل مؤخرتها، ثم تطلب منه في اللحظة نفسها تحمل أعباء حرب لم يكن طرفًا فيها، هي إدارة لا يمكن الاعتماد عليها، وهي التي صنعت لنفسها سمعة عالمية في التخلي عن الحلفاء عندما تشتد الأمور. وما يحدث اليوم في الخليج يذكرنا بما حدث لأكراد سوريا عندما انسحبت القوات الأمريكية فجأة، تاركة إياهم لمصير مجهول.

لقد أظهرت الحرب الإيرانية أن الولايات المتحدة لم تعد القوة المهيمنة التي يمكنها فرض إراداتها على خصومها وحماية حلفائها في آن واحد. فبعد شهر من القتال، لم تحقق واشنطن أيًا من أهدافها المعلنة، بينما أثبتت إيران قدرتها على الصمود وتوجيه ضربات مؤلمة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، والأخطر أنها أوقعت دول الخليج في دائرة الاستهداف المباشر . كما أن إعلان ترامب المفاجئ عن توقف الضربات على المنشآت الإيرانية، بعد أن منح إيران مهلة 48 ساعة لفتح المضيق، كشف عن مدى سوء التقدير الاستراتيجي الذي تعاني منه الإدارة الأمريكية .

الخلاصة التي نخرج بها من هذا المشهد هي أن دول الخليج تواجه اليوم لحظة فارقة في تاريخها. فإما أن تظل رهينة لحسابات سياسية أمريكية متقلبة، تدفع أثمانها من دماء أبنائها ومقدراتها الاقتصادية، وإما أن تعيد ترتيب أوراقها وتتبنى استراتيجية دفاعية مستقلة تحمي مصالحها العليا بعيدًا عن مغامرات الآخرين. إن التصريحات الخليجية الأخيرة، التي تطالب بمعالجة شاملة للتهديد الإيراني وتشترط ضمانات حقيقية قبل أي تسوية، تشير إلى أن الرياض وأبوظبي الدوحة والكويت بدأت تدرك حجم المأزق الذي وُضعت فيه .

يبقى القول إن ما فعله ترامب في مؤتمر الاستثمار لم يكن مجرد إهانة عابرة، بل كان رسالة واضحة لكل حلفاء واشنطن في المنطقة: أنتم في النهاية مجرد أدوات في لعبة كبرى، تستخدمون وقت الحاجة وتتخلّى عنكم عندما تنتهي المنفعة. وهذا هو الدرس الذي يجب أن تستوعبه العواصم العربية قبل فوات الأوان.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.