البرهان وزعماء القبائل في مشهد يوحّد الوطن ويهزم الفتنة بقلم: د. الطاهر موسى الحسن
في لحظة وطنية بالغة الحساسية اختار الفريق اول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الإنتقالي أن يوجّه رسائله من الشرق لا عبر المنابر الرسمية فحسب بل من قلب المجتمع السوداني، حيث الإدارة الأهلية وعمق التاريخ الاجتماعي. فجاءت زياراته لزعماء القبائل في ولاية كسلا ضمن برنامج المعايدة بمثابة فعل سياسي واجتماعي يتجاوز المجاملة إلى إعادة ترميم الجبهة الداخلية.
وبدأت الزيارة بهداليا حيث السيد محمد احمد محمد الأمين ترك ناظر عموم قبائل الهدندوة، مرورًا بظلال توتيل حيث بيت نظارة قبائل البني عامر، الناظر على إبراهيم دقلل ووصولًا إلى بيت الحلنقة، حيث الناظر على عبد القادر شكيلاي ناظر قبائل الحلنقة ثم الناظر احمد حميد بركي ناظر عموم الرشايدة. لم تكن هذه اللقاءات مجرد تهنئة بالعيد، بل كانت جولة في جغرافيا الولاء الوطني، وإعلانًا بأن الدولة تدرك جيدًا أين تكمن قوتها الحقيقية.
هذه الزيارات تحمل في طياتها دلالات عميقة، خاصة في هذا التوقيت الذي تتكثف فيه التحديات:
أولًا، تعكس إدراك القيادة بأن الإدارة الأهلية ليست مكونا تقليديا هامشيا بل شريكا أساسيا في حفظ التوازن المجتمعي بما تمتلكه من تأثير مباشر وقدرة على إحتواء النزاعات.
ثانيًا، تمثل هذه الجولات رسالة طمأنة قوية بأن الدولة حاضرة وسط مجتمعها، وقريبة من قواعدها الإجتماعية، وهو ما يعزز الثقة ويقوي الروابط الوطنية في ظل التحديات الراهنة.
ثالثًا، تؤكد هذه اللقاءات أن المعركة التي يخوضها السودان ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعي ووحدة صف، وأن كسبها يبدأ من تماسك الداخل قبل أي شيء آخر.
أما على مستوى الأثر النفسي، فقد تترك هذه الزيارات صدىً عميقًا في نفوس الزعماء والمجتمعات المحلية، إذ عززت شعورهم بأنهم جزء أصيل من معادلة الدولة وشركاء في صناعة مستقبلها، وهو ما ينعكس إيجابًا على الإستقرار الاجتماعي ودعم القوات المسلحة في معركة الكرامة.
ولعل ما يعزز دلالات هذه الزيارات ويمنحها بعدًا أعمق، هو الدور الريادي للإدارات الأهلية في حفظ النسيج الإجتماعي ونبذ خطاب الكراهية الذي تناولته الورشة التي نظمها جهاز المخابرات العامة بولاية كسلا في الأيام الفائتة’ حيث أكدت الورشة حينها أن أخطر ما يهدد المجتمعات في أوقات الأزمات ليس السلاح وحده، بل خطاب الكراهية الذي يفتت النسيج الاجتماعي ويزرع الشك بين مكوناته.
وقل أبرزت الورشة دور الإدارة الأهلية كخط الدفاع الأول في مواجهة هذا الخطر، لما لها من دور محوري في احتواء التوترات وتعزيز قيم التعايش والتسامح.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة زيارات الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الإنتقالي لزعماء القبائل في ولاية كسلا باعتبارها إسنادًا عمليًا لدور القيادات المجتمعية في ترسيخ خطاب الوحدة ونبذ الفرقة ورسالة واضحة بأن المعركة ضد الكراهية لا تقل أهمية عن المعركة في الميدان.
إن ما يشهده السودان من محاولات لبث الفرقة وإضعاف الجبهة الداخلية يجعل من مثل هذه اللقاءات ضرورة وطنية ملحة، لا مجرد تقليد اجتماعي عابر. فهي تؤسس لمرحلة عنوانها التماسك، وتعزيز الثقة، وبناء السلام من داخل المجتمع نفسه. في المحصلة، لم تكن زيارات المعايدة في كسلا مجرد محطات بروتوكولية، بل كانت تحركًا واعيًا لإعادة وصل الدولة بجذورها، وتحصين المجتمع من الداخل. فالقيادة التي تذهب إلى أهلها في لحظات الفرح، إنما تبني رصيدًا من الثقة يُستدعى في أوقات الشدّة… وهو ما يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.