يقول الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته المشهورة:
فألفيتُ قومي لا يرُدّونَ ما مضى
ولا يَستَرِقّونَ العَواقِبَ أو يَخِفّوا
إذا التَفَتوا لم يُدرِكوا الرأيَ وحدَهم
ولكن يُصيبُ الرأيَ مَن كان مُرشِدا
“الذين لا يهتمون بالشأن العام يُعاقبون بأن يحكمهم من هو أدنى منهم شأنًا.”
أفلاطون
منذ زمن أفلاطون وحتى اليوم، بقيت هذه الحكمة خالدة كجرس إنذار تتجاهله الأمم الغافلة.
وفي السودان، يبدو أننا ندفع الثمن فعلًا، حين تركنا الشأن العام للأنصاف والأنانيات، فتحوّل الوطن إلى ميدان عبثي تتصارع فيه الولاءات الصغيرة، وتتقاطع فيه المشاريع المؤجلة.
في السودان، لا تنشأ الأزمات فقط من الخارج، بل من الداخل كذلك، من عمق النفس الجمعية المأزومة، ومن تناقضات لم تُحسم منذ الاستقلال. هل نحن بصدد أزمة هوية؟ أم هي لعنة الجهوية؟ هل نحن دولة متعددة القوميات عاجزة عن صياغة مشروع وطني؟ أم دولة موحّدة ابتُليت بقيادات قصيرة النظر؟
الأسئلة تتكاثر، والإجابات تتناسل غموضًا.
حتى الحرب – وهي أكثر ألوان المحن وضوحًا – لم تُوَحِّد السودانيين. من يدعم الجيش يقاتل خصمه ويطعن في ظهر رفيقه ، ومن يناصر المليشيا يدّعي البناء بينما يهدم بيت جاره في الخفاء.
تتكاثر الكيانات: تنسيقيات، أقاليم، قبائل، مجالس، منصات… حتى لكأن السودان لم يعد وطنًا، بل أرضًا تتنازعها “دويلات الوجدان المبعثر”.
كل يوم يُولد انقسام جديد، وكل أسبوع تخرج جهة تزعم التمثيل الحصري لـ”الحق”، وكل شهر يُعلن عن مبادرة جديدة تقفز من طاولة إلى أخرى، من دون خريطة، ولا بوصلة.
السبب؟ القيادة.
انظر إلى مشهد السلطة اليوم. تعدد الواجهات، تباين الخطابات، تضارب الصلاحيات، وتآكل مركز القرار. لم يعد السوداني يعرف من يصدر الأمر ومن يلغيه، من يفاوض ومن يقاتل، من يتحدث باسمه ومن يراهن عليه. هل نحن أمام تقاسم أدوار مقصود؟ أم ارتجال سياسي بلا ملامح؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: دولة تُدار من غرف متفرقة، بأصابع مترددة، ورؤى متضاربة.
حتى داخل المؤسسة العسكرية نفسها، الخلافات لم تعد سرًّا ، منابر، محاور، ولاءات فرعية، مما يدفع إلى التساؤل: هل الدولة تدار بالفعل؟ أم أن الجميع يدير حساباته الشخصية في دفتر الوطن؟
وبينما الشعب يُجمِع – للمرة الأولى منذ عقود – على دعم القوات المسلحة والقوات المشتركة، وبالمقابل تتلكأ القيادة في ترجمة هذا الزخم الشعبي إلى قرارات استراتيجية. تُهدر اللحظة، وتُركن الملفات، وتُدفن المبادرات. وكأن النخبة الحاكمة تتعمد أن تُبقينا في حالة “لا سلم ولا حرب”، أو أن الانتصار الحقيقي لم يكن يومًا على العدو الخارجي، بل في ضبط خلافاتهم الداخلية.
الخلاصة:
لا يمكن أن تُحسم معركة في الميدان، ما لم تُحسم أولًا في القاعة الضيقة لصناع القرار. لا يمكن الحديث عن النصر، إن لم نُعلن أولًا تصالح مع الذات، وتطهيرًا لبيت القيادة من الصراعات الصغرى.
فالحرب تُخاض بالجبهات، لكنها تُحسم بوحدة القرار.
“الخيل إن لَقَت سروجاً كتّرت الفُرسان، والبلد إن لَقَت رجالاً بَرَد الهوان.