ونستشهد بمقولة ابوزيد عندما تصادم المواقف بعضها وتختلط الالوان وتعمي البصيرة وتهيج الأمة دون روية (أرمي ليك كلمة تلقاها يوم غلاط)
بعد ان عجزت الامم المتحدة علي تطبيق قراراتها الخاصة بفك الحصار عن الفاشر ، خرج الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من صمته الرمادي، ورفع سماعة الهاتف ليخاطب الطرفين في الحرب السودانية: القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع. دعوة لهدنة إنسانية في الفاشر، المدينة المختنقة منذ عامين ونصف تحت حصار خانق، يموت فيه الناس بصمت، وتُدهس فيه الكرامة على أرصفة الأمم الصامتة.
لكن ما لم يفهمه أولئك الذين يتقافزون على مهنة الصحافة كما يتقافز الذباب على الجروح، هو أن هذه المكالمة ليست مجرد دعوة، بل امتحان سياسي وإنساني، أحرز فيه الفريق أول عبد الفتاح البرهان نقطة بارعة، حين رمى الكرة في ملعب الأمم المتحدة، معلنًا موافقته على الهدنة وداعيًا لتسهيل دخول المساعدات.
هذه ليست مساومة، بل تعرية ، البرهان وضع المنظمة الأممية أمام حقيقتها: الطرف الذي يرفض، الطرف الذي يحاصر، الطرف الذي يرتكب المجازر، ليس الجيش السوداني، بل عصابة الدعم السريع، التي لا تفهم من اللغة إلا البارود، ولا تعرف من السياسة سوى النهب والحرق.
من يتحدث اليوم عن “طرفين” في الفاشر، إما أعمى بصر أو باع بصره ، الفاشر لا يحاصرها الجيش ، الفاشر لا تجوع بسبب البرهان ، الفاشر تُدفن فيها الجثث تحت القصف العشوائي الذي تنهال به مليشيا الدعم السريع، دون تمييز بين مسجد وسوق، بين رضيع وعجوز.
لكن من يدرك هذا؟
لقد ضجّت منصات التواصل بنشطاء ورجرجة ودهماء وغوغاء ، لا يميزون بين بيان رسمي وخطاب عسكري، لا يعرفون قراءة خرائط الحرب، ولا يفهمون طبيعة الاختراقات الدبلوماسية، يحكمون على الأحداث كما تحكم القطط على الكتب: بالجهل والخرمشة.
هؤلاء لا يكتبون، بل ينعقون.
يظنون أن كل تفاعل إنساني هو ضعف، وكل هدنة هي تراجع، وكل استجابة للأمم المتحدة هي خضوع ، بينما الحقيقة أن البرهان، بموافقته على الهدنة، وضع المجتمع الدولي في مواجهة عجزه، وقال للعالم: “ها نحن وافقنا، فأين أنتم؟”
أما مليشيا حميدتي، فستبدي الأيام عجزها عن القبول بأي هدنة، لأنها لا تنمو إلا في الفوضى، ولا تتنفس إلا في رئة الدم.
النتيجة؟
الهدنة اختبار.
والبرهان نجح.
والأمم المتحدة مطالبة بأن تنجح أيضًا، لا بالاكتفاء بالمناشدات، بل بفرض المساعدات.
فالفاشر لا تنتظر الخطب، بل الطعام.
لا تنتظر التصريحات، بل الأدوية.
ولا تنتظر الشجب، بل كسر الحصار.
وختامًا، من سيعلّم هؤلاء الرجرجة أن السياسة لا تُفهم من “الترندات”، وأن قيادة الحرب ليست جلسة بث مباشر؟ من يفتح لهم كتابًا في الجغرافيا، ودورة في الكرامة؟ من يشرح لهم أن الفرق بين المعتدي والمدافع، كالفارق بين لصٍّ في الظلام، ورجلٍ يحرس منزله في النور.