صبر الرهان

كتب : عوض الله نواي

0 46

في سنوات حكمه المضطربة، لم يكن الرئيس جعفر محمد النميري رجل سياسة بالمعنى التقليدي. كان عسكريًا خالصًا، يؤمن أن الدولة تُدار بالحزم لا بالحوار .

يحكي أحد المقربين منه أنه في إحدى جلسات مجلس الثورة، دخل النميري ساخطًا على نائبه بابكر النور، بعد أن بلغه أنه يُراسل أطرافًا خارجية دون علمه .

نظر إليه صامتًا، ثم قال: “أنا ما بخاف من حد، لكن ما بحب الخيانة”… وبعد أيام، كان بابكر النور في طائرة اختفت عن الرادار.

وفي رواية أخرى، يُقال إنه استدعى أحد الوزراء ذات ليلة بعد بث تقرير تلفزيوني أثار غضبه، وسأله: “إنت شغال معانا ولا مع التلفزيون؟”

ثم أنهى الاجتماع بقوله الأشهر:

“نحن بنحفر بالإبرة… كل يوم نحفر، عشان ما ينهار البيت من تحتي وتحتك”.

 

كان النميري يؤمن أن الحُكم لا يُستقر ما لم تُطهّر الدائرة المقرّبة.

ولهذا، كان سريعًا في الحسم، لا يُراوغ، ولا يُراهن على الزمن.

 

 

أما اليوم، ففي قمة الدولة السودانية يجلس رجل يُشبهه في الانتماء العسكري، لكنه يختلف عنه في الطباع والتكتيك:

الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

رجلٌ صبر كثيرًا… ربما أكثر من اللازم.

 

من أبرز فصول هذا الصبر، صبره الطويل على محمد حمدان دقلو، قائد ميليشيا الدعم السريع.

كان يعلم — حسب شهادات من داخل أجهزة الدولة — أن دقلو يُعدّ العدة للانقلاب عليه.

وردت التقارير، وتكررت التحذيرات الأمنية بأن الميليشيا تُعيد التموضع في الخرطوم، وتستقدم تعزيزات غير مبررة، وتخزن السلاح في أطراف العاصمة.

حتى الاجتماعات التي عُقدت بين الرجلين في نهايات 2022 كانت مشحونة بالريبة، لكن البرهان كان يبتلع الشكوك، ويُهادن.

 

 

وليس بعيدًا عن هذا المشهد، تقف تجربة نظام الإنقاذ كدليلٍ على أن الخطر لا يأتي دومًا من خارج الأسوار.

في سنواته الأخيرة، لم يكن الرئيس عمر البشير مُمسكًا بكل الخيوط، بل صار رهينةً لصراع نوابه ومستشاريه.

علي عثمان محمد طه ونافع علي نافع دخلا في صراع معلن وخفي على وراثة السلطة.

كلٌّ منهما بنى شبكته داخل الحزب، وزرع رجاله في مفاصل الدولة، وبدأ يُقاطع اجتماعات الآخر ويشكك في تحركاته.

أجهزة الأمن كانت تعلم، والمراقبون يرصدون، لكن البشير اختار أن يصبر.

لم يحسم، لم يُبعد، بل ظن أن دهاءه كافٍ لضبط التناقضات… حتى انفجر الكرسي من تحته.

 

 

واليوم… ما أشبه الليلة بالبارحة.

 

الفريق ياسر العطا ظلّ في الخرطوم حتى تحررت، لا يظهر كثيرًا في العاصمة الإدارية، تربطه علاقات خاصة بقيادات من حركات الكفاح المسلح، والبراؤون، وأبو عاقلة كيكل، ولواء النخبة، وجهاز المخابرات العامة.

هو رجلٌ واضح، لا يُحب الغموض، ويفضّل العمل خلف الكواليس دون جلبة.

 

أما الفريق شمس الدين الكباشي، فيواجه الأمور بحدّة، لا يجيد لغة الدبلوماسية، ولم يُؤمن بفكرة تسليح المقاومة الشعبية.

عارض فكرة التنسيقيات، وهاجمها، واعتبرها صوتًا مزعجًا أكثر من كونها ركيزة دعم.

ومع أنه قدّم سهمه الكامل للسودان في حرب الكرامة، فإنّ بعد تعيين وزير دفاع من رمزية جنوب كردفان، قد آن له أن يترجّل…

أن يأخذ استراحة محارب، ويُكرّم كشخصية وطنية أدّت ما عليها، دون أن تتورط فيما بعدها.

 

ما بين نواب النميري، ورفاق البشير، وحلقات المجلس الحالي،

تظل معضلة البرهان هي الصبر…

وحفر الإبرة…

في أرض كثيرة الشقوق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.