سلسلة مقالات في السيادة والسلام والقرار الوطني  مبادرة الحوار الوطني حول السيادة والسلام والقرار الوطني (5-5) بقلم: د. الطاهر موسى الحسن

3

 

من يكتب مستقبل السودان؟

من خلال تفاعلات كثيرة مع هذه المقالات، وجدت أن هناك قاسماً مشتركاً بين معظم الآراء والمداخلات، يتمثل في الشعور بأن السودان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية تتطلب حواراً وطنياً مختلفاً عن كل ما عرفناه في السابق.

حواراً لا تديره المصالح الحزبية الضيقة. ولا تفرضه موازين القوة المؤقتة.ولا يُختزل في صراع المواقع والمناصب.

بل حواراً ينطلق من سؤال أكبر:كيف نحافظ على الدولة السودانية؟

لقد استهلكت بلادنا سنوات طويلة في النقاش حول من يحكم السودان، بينما ظلت الأسئلة المتعلقة بكيفية حماية السودان نفسه أقل حضوراً في النقاش العام.

واليوم، وبعد كل ما جرى من حرب ودمار ونزوح وانقسام، أعتقد أن الوقت قد حان للانتقال إلى مستوى جديد من التفكير الوطني.

مستوى يضع قضايا السيادة والسلام والقرار الوطني في مقدمة الأولويات. ومن هنا أطرح فكرة إطلاق مبادرة وطنية للحوار حول السيادة والسلام والقرار الوطني.

مبادرة لا تستهدف تأسيس حزب سياسي جديد، ولا إنشاء منصة تنافس القوى القائمة، ولا إنتاج اصطفاف سياسي إضافي في مشهد يعاني أصلاً من كثرة الاستقطابات. بل تستهدف فتح مساحة للحوار والتفكير المشترك بين أصحاب المعرفة والخبرة والاهتمام بالشأن الوطني.

أتصور أن تضم هذه المبادرة أساتذة الجامعات والباحثين والخبراء والمتخصصين في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والقانون والاقتصاد والإعلام والأمن القومي والتنمية، إلى جانب الشخصيات الوطنية المستقلة والمهتمين بالشأن العام.

فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى المزيد من الخطابات بقدر ما تحتاج إلى المزيد من التفكير. ولا تحتاج إلى المزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى المزيد من الرؤى.

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعاً ليس فقط كيف تتوقف الحرب، وإنما ماذا بعد توقفها؟ كيف نحمي الدولة من إعادة إنتاج أسباب الأزمة؟ كيف نصون القرار الوطني وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد؟

كيف نبني سلاماً مستداماً لا سلاماً مؤقتاً؟ كيف نحقق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على استقلال القرار الوطني؟ كيف نبني دولة تستوعب التنوع وتحمي الوحدة الوطنية في الوقت نفسه؟ وكيف نحول التضحيات التي قدمها السودانيون خلال هذه الحرب إلى فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر قوة وعدلاً واستقراراً؟

إن مثل هذه الأسئلة لا يمكن أن تظل رهينة ردود الأفعال اليومية أو الجدل السياسي العابر.إنها تحتاج إلى نقاش مؤسسي وعلمي ومنظم.

ولهذا فإنني أدعو الجامعات السودانية ومراكز البحوث والمنتديات الفكرية والمؤسسات الوطنية والمهتمين بالشأن العام إلى تبني هذا الحوار والمساهمة فيه. وأرى أن من الممكن أن تتطور هذه المبادرة لاحقاً إلى ملتقى فكري وطني أو مؤتمر علمي يخرج بوثيقة وطنية تتضمن توصيات ورؤى حول قضايا السيادة والسلام ومستقبل الدولة السودانية. ليس بهدف فرض رؤية بعينها، وإنما بهدف إثراء النقاش الوطني وتوسيع دائرة المشاركة فيه. فمستقبل السودان أكبر من أن يُترك لفئة واحدة. وأعقد من أن يُختزل في تفاوض سياسي أو اتفاق مرحلي.

وأهم من أن يُدار بردود الأفعال وحدها.لقد علمتنا هذه الحرب دروساً قاسية، لكن من بين أهم تلك الدروس أن الأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، مهما كانت أهمية السلاح في الدفاع عنها.فالأوطان تُحمى أيضاً بالفكرة. وبالمعرفة.وبالوعي.وبالقدرة على استشراف المستقبل.

ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه للسودان في هذه المرحلة هو أن نفتح حواراً وطنياً حقيقياً حول القضايا التي ستحدد مصيره لعقود قادمة. حواراً لا يبحث عن غالب ومغلوب.ولا عن منتصر ومهزوم.بل يبحث عن وطن يستحق أن يجتمع حوله الجميع. فإذا كانت الحرب قد فرضت على السودانيين معركة الدفاع عن الدولة، فإن المرحلة القادمة تفرض عليهم معركة أخرى لا تقل أهمية:

معركة التفكير في الدولة التي يريدون بناءها.وهذه مسؤولية لا تخص السياسيين وحدهم.بل تخص كل من يؤمن بأن السودان يستحق مستقبلاً أفضل من ماضيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.