ما بين المخبر والصحفي

كتب : هوض الله نواي

0 15

 حين قرر الصحفي الأمريكي تيم واينر أن يتتبع خيوط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، لم يكن يسعى إلى الشهرة، بل إلى الحقيقة… لكن الحقيقة أحيانًا مكلفة أكثر من الأكاذيب. كتب عن أسرار “السي آي إيه” في كتابه Legacy of Ashes، فهزّ أركان الثقة بين الصحافة والمخابرات، وأيقظ سؤالًا ما يزال يتكرر حتى اليوم: من يخدم من؟ ومن يتجسس على من؟ ومن يكتب من أجل من؟

• ما بين الصحفي والمخبر، خيطٌ دقيق لا يُرى بالعين المجردة. خيطٌ مشدود بين مهنية الكلمة ومستنقع العمالة. الصحافة في جوهرها بحث عن الحقيقة، أما التخابر فغالبًا ما يكون بحثًا عن الهيمنة. وبين هذا وذاك، تتمايل أقلام، وتتبخر ضمائر، وتتلوث أوراق.

• اليوم، لم تعد أجهزة الاستخبارات الدولية بحاجة إلى “تجنيد كلاسيكي”. لقد تحوّل الإعلام إلى أكبر سوق مفتوح للمعلومات. تُطل المخابرات برأسها في هيئة صحفيٍ متحمّس، أو ناشرٍ مستقل، أو حتى مدوّن على وسائل التواصل. تدخل غرف الأخبار كما تدخل إلى سوق أم دفسو، تختار ما تشاء من (طماطم، جرجير، شطة، وليمون)… أو بالأحرى: مصادر، شخصيات، قصص، ومواقع. توظف من تريد، وتسقط من تشاء، وتدسّ السم في العناوين قبل أن يبلغ الحبر الورق.

• خذ مثلًا الصحفية الإسرائيلية كاتي بن دايفيد، التي دخلت إيران متقمّصة هوية الباحثة المتعاطفة مع الثقافة الإسلامية، ثم أعلنت تشيعها، قبل أن تتغلغل داخل مجالس قيادية في طهران. لم يكن ذلك فضولًا ثقافيًا بريئًا، بل اختراقًا مدروسًا. تمامًا كما فعل آخرون في باكستان، ولبنان، واليمن، وسوريا… تارةً باسم الصحافة، وتارةً باسم العمل الإنساني، لكن الهدف واحد: الوصول إلى الداخل من دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

• وما هزم تنظيم القاعدة وفكّك جذوته لم يكن القصف وحده، بل كان هذا الخيط الرفيع بين الصحافة والاستخبارات. صحفيون حملوا الكاميرات في العلن، وزرعوا الشرائح الإلكترونية في الخفاء. من مراسلي الحروب إلى محرري التحقيقات، تحوّل بعضهم إلى أدوات اختراق ناعمة، تنهك الخصم من داخله.

• وفي السودان، يحق لنا أن نسأل بصوت عالٍ:

هل الدعم السريع صنيعة سودانية خالصة؟

أم أنه كيان هجين، صُمم بأيدٍ ظاهرها سوداني وباطنها أجنبي؟

هل يمكن الحديث عن هذه المليشيا بمعزل عن غرف العمليات الخارجية التي مولتها، دربتها، ووجهت خطواتها من الخرطوم حتى الجنينة، ومن سرت حتى جبل مون؟

• لا يمكن تجاهل الدور الغامض لـطه عثمان الحسين، مدير مكتب الرئيس السابق عمر البشير. رجل الظلال الذي كان أقرب للغموض الاستخباراتي منه إلى موظف دولة. خرج فجأة، واحتفى أثره في صمت، وظهرت بعدها المليشيا كأنها خرجت من معطفه. اليوم، لا يزال السؤال مفتوحًا: هل كان طه مجرد موظف، أم حلقة وصل استخباراتية تم كشف جزء من أوراقها فقط؟

• الدعم السريع لم يعد قوة عسكرية متمردة فحسب. بل أصبح كيانًا تُديره غرف استخباراتية عابرة للقارات. جُنّد فيه آلاف الأفراد، وتم إدماج عشرات الصحفيين في ماكينة الدعاية، التي استخدمت في وسائل التواصل والإعلام الدولي أساليب الحرب النفسية والإرباك المعلوماتي.

تراهم في كل مكان: في منصات التغريد، في تقارير الواشنطن بوست وفرانس 24، في تحليلات المراكز البحثية، وأحيانًا في شكل “صحفي مستقل” يتحدث بلغة خبيثة عن السلام بينما يُجهّز لخراب السودان.

• في عالمٍ بات فيه الإعلام ساحة معركة، تصبح الحقيقة سلاحًا بيد من يملك الضمير… والكذب أداة بيد من باع وطنه في سوق البيانات. لا بد أن نُميّز بين الصحفي الحقيقي، الذي يُنير الطريق، وبين “المخبر الإعلامي”، الذي يضع القلم في يد العدو ويضحك ملء فاه.

• وفي الختام، نهمس – لا نصرخ – في أذن الأجهزة الأمنية:

 

افتحوا أعينكم… فالحرب لم تعد بالبنادق فقط، بل بالأقلام، وبالمايكروفونات، وبالمقالات التي تكتبها مخابرات أخرى بأسماء محلية.

 

One Press – لأن الحقيقة لا تُشترى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.